قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: جدل قانوني واتهامات بالتمييز وتداعيات مفتوحة
نشر بتاريخ: 2026/04/09 (آخر تحديث: 2026/04/09 الساعة: 13:30)

في أعقاب إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين داخل الكنيست نهاية مارس/آذار الماضي، تصاعد الجدل بشكل واسع حول أبعاده القانونية والسياسية، وطبيعة تطبيقه، والفئات التي يشملها، إضافة إلى التداعيات المحتملة محليًا ودوليًا. وفي هذا السياق، استعرض مدير مركز "عدالة" الحقوقي الدكتور حسن جبارين في حوار مفصل مختلف جوانب هذا القانون، كاشفًا عن تعقيداته وآثاره.

ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام على كل من يرتكب جريمة قتل متعمد بدوافع سياسية أو أمنية ضمن إطار ما يُعرف بقانون مكافحة الإرهاب. بمعنى أن القتل الجنائي العادي لا يخضع لهذا القانون، بينما تُطبّق العقوبة في حال كان الدافع "معاديًا لدولة إسرائيل" أو ذا خلفية قومية. ويتميّز القانون بدرجة عالية من التشدد، إذ يمنع القاضي من الأخذ بأي ظروف مخففة، ويقيّد سلطته التقديرية بشكل كبير، لتصبح القاعدة الأساسية هي الإعدام، والاستثناء نادر جدًا ويحتاج إلى مبررات قوية ومقنعة تحول دون تنفيذه.

كما يتضمن القانون بندًا يمنع تقديم طلبات استرحام أو تخفيف للعقوبة، خصوصًا من قبل الحاكم العسكري في الضفة. ويلزم بتنفيذ حكم الإعدام خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا من صدوره، وخلال هذه الفترة يُحرم المحكوم عليه من لقاء عائلته، في إشارة إلى الصرامة الشديدة التي يتبناها هذا التشريع.

ومن الناحية الزمنية، لا يسري القانون بأثر رجعي، ما يعني أنه لا يشمل الأسرى الفلسطينيين الموجودين حاليًا في السجون الإسرائيلية، بل يقتصر على الجرائم التي تقع بعد تاريخ 31 مارس/آذار 2026. وبالتالي، فإن أي أفعال سابقة لا يمكن أن تُطبّق عليها أحكام هذا القانون، بغض النظر عن طبيعتها.

ورغم ذلك، فإن تطبيق القانون عمليًا لن يكون فوريًا، إذ تمر أي قضية بمراحل متعددة تشمل الاعتقال، والتحقيق، وتقديم لائحة اتهام، ثم المحاكمة، يليها الاستئناف، وأخيرًا انتظار فترة تصل إلى 90 يومًا قبل التنفيذ. هذا التسلسل الإجرائي يعني أن أول تنفيذ محتمل قد لا يحدث قبل مرور عامين إلى ثلاثة أعوام على الأقل من تاريخ ارتكاب الجريمة.

وفيما يتعلق بنطاق التطبيق الجغرافي والبشري، يوضح جبارين أن القانون يتضمن مستويين أساسيين. الأول يتعلق بالضفة الغربية، حيث يُناط تنفيذ العقوبة بالحاكم العسكري عبر المحاكم العسكرية، ويُعرّف الفلسطينيون هناك بأنهم غير مواطنين ولا مقيمين إسرائيليين، بل مسجلون لدى السلطة الفلسطينية، ما يؤدي فعليًا إلى استثناء المستوطنين الإسرائيليين من نطاق تطبيق القانون.

أما المستوى الثاني فيتعلق بالمناطق داخل الخط الأخضر، حيث يُطبّق القانون على أي شخص يرتكب جريمة قتل بدوافع معادية للدولة أو "الشعب اليهودي". هذا التعريف يجعل القانون عمليًا قابلًا للتطبيق على الفلسطينيين داخل إسرائيل، حتى لو كانوا يحملون جنسيتها، بينما لا يشمل اليهود الإسرائيليين حتى في حال ارتكابهم جرائم قتل بدوافع عنصرية ضد الفلسطينيين. وبذلك، يظهر القانون بطابع تمييزي واضح من حيث الفئات المستهدفة.

وفيما يخص فئات خاصة مثل القاصرين، لا يتضمن القانون نصًا صريحًا يحدد كيفية التعامل معهم. ومع ذلك، فإن وجود قوانين عامة تحمي القاصرين قد يمنع تطبيق عقوبة الإعدام عليهم، نظرًا لأن أي قانون عادي لا يمكن تفسيره على أنه يشملهم ما لم ينص على ذلك بشكل واضح. لذلك، يُرجّح قانونيًا استبعاد القاصرين من نطاق التطبيق، رغم غياب النص المباشر.

أما بالنسبة للنساء الحوامل، فالقانون لم يتطرق لهذه الحالة الحساسة إطلاقًا. وتكمن الإشكالية هنا في أن تنفيذ حكم الإعدام قد يؤثر على الجنين، ما يطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية معقدة. ولم يحدد القانون ما إذا كان سيتم تأجيل التنفيذ إلى ما بعد الولادة أو اعتماد ترتيبات خاصة، ما يترك المسألة مفتوحة أمام التفسير القضائي عند التطبيق.

سياسيًا، يرى جبارين أن تمرير القانون جاء في سياق ظروف متوترة، من بينها الحرب على غزة، وتصاعد العنف في الضفة الغربية، وانتشار الجريمة داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل. هذه العوامل، بحسب تحليله، ساهمت في خلق بيئة سياسية تعتبر حياة الفلسطينيين أقل قيمة، ما مهّد الطريق لتشريع مثل هذا القانون. وفي هذا الإطار، استند إلى أفكار الفيلسوف جورجيو أغامبين حول مفهوم "استباحة الحياة"، معتبرًا أن القانون يمثل محاولة لتقنين ممارسات قائمة بالفعل.

ورغم إقرار القانون بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48 معارضًا وامتناع عضو واحد، فقد واجه معارضة داخلية من جهات مختلفة، بما في ذلك المستشارة القضائية للحكومة، وقيادات في الجيش والأجهزة الأمنية. إلا أن هذه المعارضة لم تكن بدوافع إنسانية، بل استندت إلى مخاوف أمنية من أن يؤدي القانون إلى تصعيد الأوضاع، إضافة إلى القلق من تداعياته على صورة إسرائيل دوليًا.

كما عبّرت جهات مهنية، مثل نقابات الأطباء، عن رفضها المشاركة في تنفيذ أحكام الإعدام، معتبرة أن ذلك يتعارض مع أخلاقيات المهنة والقوانين الدولية التي تحظر إزهاق الحياة.

من ناحية أخرى، يتميّز هذا القانون عن قوانين الإعدام الأخرى عالميًا بعدة جوانب. فبينما يتجه العالم نحو تقليص استخدام عقوبة الإعدام أو إلغائها، يأتي هذا القانون كتشريع جديد في القرن الحادي والعشرين، وهو أمر نادر. كما أن نطاق تطبيقه يُعد استثنائيًا، إذ يُتهم بأنه يستهدف فئة عرقية محددة، وهو ما يجعله مختلفًا عن معظم القوانين الأخرى التي تُطبّق نظريًا على جميع المواطنين دون تمييز.

على الصعيد القضائي، تقدّم مركز "عدالة" بالتماس إلى المحكمة العليا لدى الاحتلال لإبطال القانون، وذلك نيابة عن مؤسسات حقوقية وأعضاء كنيست عرب. وقد طلبت المحكمة من النيابة العامة تقديم ردها الرسمي، على أن تمر القضية بمراحل متعددة قد تشمل إصدار أمر احترازي، وعقد جلسات أمام هيئات قضائية موسعة، قبل الوصول إلى حكم نهائي قد يستغرق عدة أشهر وربما أكثر.

ورغم عدم صدور قرار بوقف التنفيذ حتى الآن، فإن تطبيق القانون فعليًا لا يزال مستبعدًا في المدى القريب، نظرًا لطول الإجراءات القضائية، وحساسية أحكام الإعدام التي لا تحتمل الخطأ.

دوليًا، يفتح القانون الباب أمام إمكانية الطعن فيه أمام المحكمة الجنائية الدولية، حيث يمكن اعتباره، وفق بعض التقديرات، جزءًا من ممارسات تمييزية قد ترقى إلى مستوى "الأبرتهايد"، إضافة إلى كونه قد يُصنف ضمن المعاملة القاسية أو اللاإنسانية المحظورة بموجب القانون الدولي.

أما في حال تطبيقه، فمن المتوقع أن يثير ردود فعل واسعة، تشمل احتجاجات جماهيرية وتحركات دولية، وقد تتحول حالات الإعدام إلى أحداث رمزية ذات تأثير عميق في الوعي الجمعي الفلسطيني، مع انعكاسات ثقافية وسياسية تتجاوز الإطار القانوني.

في المجمل، يكشف هذا القانون عن تحولات عميقة في السياسة التشريعية الإسرائيلية، ويطرح إشكالات قانونية وأخلاقية معقدة، في وقت يبقى فيه مستقبله مرهونًا بقرارات القضاء الداخلي والضغوط الدولية المحتملة.