تدخل الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران يومها الثامن والثلاثين في مرحلة شديدة الحساسية، مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لطهران. وبينما تلوّح واشنطن بتصعيد غير مسبوق قد يشمل ضرب البنية التحتية الإيرانية، تتزايد في إسرائيل التحليلات التي تحاول فهم حدود القوة العسكرية وإمكانية تحويلها إلى حسم سياسي.
في هذه اللحظة، يبدو أن الحرب تقف عند مفترق طرق: إما تصعيد واسع قد يغير طبيعة الصراع، أو استمرار حرب استنزاف لم تحقق أهدافها السياسية حتى الآن.
رفع ترامب سقف التهديد عندما أعلن أن الولايات المتحدة أعدّت خطة لضربة واسعة تستهدف البنية التحتية الإيرانية يمكن تنفيذها خلال ساعات إذا رفضت طهران شروط الصفقة. لا يتعلق الأمر بضربات موضعية كما في الأسابيع الأولى من الحرب، بل بعملية قد تشمل استهداف الجسور، عقد النقل والمواصلات، محطات الطاقة، وربما منشآت اقتصادية مركزية.
الهدف من هذا السيناريو ليس فقط إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، بل شل قدرة الدولة على العمل عبر ضرب الطاقة والخدمات اللوجستية.
وفي المقابل تطالب واشنطن إيران بخطوتين أساسيتين: تفكيك البرنامج النووي الإيراني. وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
لكن احتمال قبول إيران بهذه الشروط يبدو ضعيفًا، لأنها تعني اعترافًا فعليًا بالهزيمة بالنسبة للنظام.
في تحليل نشرته صحيفة هآرتس، يرى المحلل العسكري عاموس هرئيل أن الضربات الأميركية–الإسرائيلية ألحقت أضرارًا كبيرة بإيران لكنها لم تحقق الهدف السياسي للحرب. فإيران – بحسب تقديره – أصبحت أضعف لكنها أكثر تصلباً. ويشير هرئيل إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل نجحتا في تحقيق تفوق جوي شبه كامل فوق إيران، وأن الضربات قد تؤثر في قدراتها العسكرية لسنوات.
لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن التفوق الجوي وحده لا يفرض الاستسلام السياسي، ويضرب مثالاً بالقصف الأميركي لشمال فيتنام في الستينيات، الذي لم ينجح رغم شدته في كسر إرادة القيادة هناك.
بينما يشير المحلل الإسرائيلي رونين برغمان إلى مفارقة أساسية في هذه الحرب: الضربات الواسعة لم تؤدِّ حتى الآن إلى انهيار النظام الإيراني أو دفعه إلى التنازل.
وفي السياق نفسه يرى إيل تسير كوهين، رئيس قسم “تِبِل” السابق في الموساد، أن استمرار استراتيجية الاستنزاف العسكري لن يغيّر المعادلة، لأن إيران أثبتت قدرتها على امتصاص الضربات.
ولذلك يدعو إلى الانتقال إلى استراتيجية ضرب البنية التحتية الوطنية – خصوصًا الكهرباء والطاقة والصناعة – بهدف تقليص قدرة الدولة على إعادة بناء قوتها العسكرية.
أما الخبير الإسرائيلي دافيد جندلمان فيشير إلى أن التقدير الإسرائيلي الأولي بأن الضربات الجوية وحدها يمكن أن تحسم الحرب كان مبالغًا فيه. فحتى مع التفوق الجوي، ما تزال إيران قادرة على مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإن بوتيرة أقل، وهو ما يوضح حدود القوة العسكرية في مواجهة دولة كبيرة تمتلك عمقًا جغرافيًا وقدرة على التكيف. ويرى جندلمان أن الرهان على انهيار سريع للنظام الإيراني لم يكن واقعيًا منذ البداية.
في موازاة ذلك، ظهرت تقارير غير مؤكدة حتى الآن تشير إلى أن الولايات المتحدة تحشد تعزيزات ومعدات عسكرية نوعية مرتبطة بالنشاط البري، من بينها وحدات مدفعية ثقيلة. وإذا تأكدت هذه التقارير، فقد يشير ذلك إلى تحضير لسيناريو يتجاوز الضربات الجوية، مثل عزل مناطق معينة داخل إيران تمهيدًا لعمليات أوسع.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن التحركات ستجري في المناطق التي يجري الحديث عنها علنًا، إذ قد يكون التهديد في مكان بينما تتجه الأنظار إلى مكان آخر. وفي حال صحت هذه المعطيات، فإنها قد تشكل مؤشرًا على انتقال الحرب من مرحلة الضغط العسكري لتحريك المفاوضات إلى سيناريو تصعيد قد يخرج عن السيطرة.
من زاوية تحليلية فلسطينية وإقليمية، يكشف باحث فلسطيني أن الحرب الأميركية–الإسرائيلية ألحقت أضراراً كبيرة بإيران لكنها لم تحقق هدفها السياسي الأساسي: إجبار طهران على الاستسلام أو تغيير سلوكها الاستراتيجي. وفي المقابل، نجحت إيران – رغم الخسائر – في الحفاظ على قدرة الرد، ما يحوّل الصراع تدريجيًا إلى حرب استنزاف طويلة.
ويشير التقدير الفلسطيني إلى عدة نقاط ان ضرب البنية التحتية قد يدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي باعتباره الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الهجمات مستقبلاً، فالعمليات العسكرية الأرضية الأميركية المحتملة – إذا تأكدت التقارير عن تعزيزات مدفعية ووحدات برية – قد تزيد من خطر الانزلاق إلى مواجهة شاملة تتجاوز السيطرة، ما سيؤثر على الاستقرار الإقليمي بأكمله. وتبقى الرهانات السياسية المحدودة: الحرب حتى الآن لم تحقق أي تغيير استراتيجي جوهري في السلوك الإيراني، ما يجعل أي اتفاق سريع شبه مستحيل دون تنازلات كبيرة من الطرفين، وهو أمر بعيد المنال بالنظر إلى التعقيدات الداخلية للطرفين.
في الخلفية، يتزايد النقاش داخل إسرائيل حول أهداف الحرب وإمكان تحقيقها. فمع استمرار الصراع وغياب حسم واضح، بدأت تظهر تساؤلات في الإعلام الإسرائيلي حول ما إذا كانت الضربات الواسعة قادرة بالفعل على تغيير السلوك الإيراني.
كما أن استمرار إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، ولو بوتيرة أقل، يبرز حدود الدفاعات الجوية ويزيد الضغط السياسي على القيادة الإسرائيلية.
وهذا الجدل يعكس قلقًا متزايدًا داخل المؤسسة الأمنية من أن تتحول الحرب إلى صراع طويل ومكلف دون تحقيق أهدافه الاستراتيجية.
ومع اقتراب انتهاء المهلة الأميركية، تبدو احتمالات التوصل إلى تسوية سريعة محدودة. فالقبول الإيراني بالشروط الأميركية يعني هزيمة سياسية للنظام، بينما يحمل التصعيد العسكري مخاطر كبيرة، من بينها احتمال توسع الصراع إقليمياً وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
وهكذا تبدو الحرب، بعد أكثر من شهر على بدايتها، عند نقطة تصبح فيها جميع الخيارات صعبة.
إيران تضررت بشدة لكنها لم تنكسر، والولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقاً عسكرياً واضحاً، لكنهما لم تتمكنا حتى الآن من تحويله إلى حسم سياسي.
ولهذا قد تكون المرحلة المقبلة من الحرب هي الأكثر خطورة منذ اندلاعها.