خمسون عامًا من الدم… ولم تسقط الأرض
نشر بتاريخ: 2026/03/30 (آخر تحديث: 2026/03/31 الساعة: 00:47)

لم يكن يوم الأرض في الثلاثين من آذار/مارس 1976 مجرد احتجاج عابر على مصادرة أراضٍ، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف الصراع باعتباره صراع وجود لا نزاع حدود. حين أقدمت حكومة إسحاق رابين على مصادرة آلاف الدونمات في الجليل، لم تكن تختبر الأرض بقدر ما كانت تختبر إرادة الإنسان الفلسطيني، غير أن الرد جاء معاكسًا لكل التوقعات.

بدعوة من الحزب الشيوعي الإسرائيلي، خاض الفلسطينيون إضرابًا عامًا تحوّل سريعًا إلى مواجهة مباشرة، ومع إعلان الشهيد توفيق زياد، ارتفع سقف الفعل من احتجاج إلى اشتباك سياسي واضح: الأرض ليست قابلة للمساومة، ولا تقبل الخضوع. سقط ستة شهداء، لكن الحدث لم ينتهِ عند حدود الدم، بل دشّن وعيًا وطنيًا جديدًا داخل أراضي 1948، وأعاد تثبيت الفلسطيني كفاعل سياسي لا يمكن تجاوزه، ومنذ ذلك اليوم لم تعد الأرض ملفًا إداريًا، بل عنوانًا دائمًا للصراع.

بعد خمسين عامًا، لم تتغير جوهر السياسات، بل تبدّلت أدواتها؛ فالمصادرة مستمرة بأغطية قانونية، والاستيطان يتوسع تحت مسميات مختلفة، فيما تتواصل الحروب، خاصة في قطاع غزة، كوسيلة لفرض واقع جديد بالقوة. وفي الضفة الغربية يتسارع تفكيك الجغرافيا، بينما يواجه فلسطينيو الداخل ضغوطًا متصاعدة تستهدف وجودهم وهويتهم. ما يجري اليوم يتجاوز مفهوم الاحتلال التقليدي؛ إنه مشروع لإعادة تشكيل الأرض والإنسان معًا، من اقتلاع أشجار الزيتون إلى خنق الاقتصاد، ومن التضييق اليومي إلى محاولات كسر الإرادة الجمعية.

ومع ذلك، تبرز الحقيقة الأكثر إرباكًا: لم تُهزم الأرض. خمسون عامًا من القتل والمصادرة والتهجير لم تنتج فلسطينيًا بلا جذور، ولا أرضًا بلا أصحاب، بل على العكس، كل محاولة اقتلاع عمّقت الارتباط، وجعلت الأرض أكثر حضورًا في الوعي الجمعي.

في هذه الذكرى، لا يبدو السؤال: هل تعود الأرض؟ بقدر ما يفرض سؤال أكثر حدّة: لماذا فشلت كل هذه القوة في انتزاعها؟ الإجابة تكمن في جوهر الصراع نفسه؛ فالأرض التي تتحول إلى هوية لا تُحسم بالقوة، بل تبقى معركة مفتوحة، تُعيد تعريف ميزانها مع كل جيل.