ماذا عن اليوم التالي للحرب على إيران؟
نشر بتاريخ: 2026/03/24 (آخر تحديث: 2026/03/24 الساعة: 17:34)

دخلت إيران الأسبوع الرابع من الحرب وهي أكثر اقتداراً وقدرة على مقارعة أعتى قوة عسكرية في العالم، ومعها أكثر جيوش العالم عنفاً وقسوة، اللذين يقاتلانها بكل قوتهما، وهذا ما يقوله كل من دونالد ترامب الرئيس الأميركي، وبنيامين نتنياهو رئيس حكومة إسرائيل، حين يتحدثان عن قصف أكثر من خمسة آلاف هدف عسكري واقتصادي في إيران، ولو كان للحقيقة علاقة بما يقولانه لكان الأمر قد انتهى منذ زمن طويل، فمنذ الضربة الأولى التي اغتالا فيهما المرشد الإيراني وهما يدعيان أنهما قد دمرا القوة الإيرانية بما يزيد على 90% منها، وبصرف النظر عما هو معروف به نتنياهو من كذب وخداع مارسهما على مدى ثلاثة عقود مضت، وما بات معروفاً به ترامب من ادعاء وكذب كل دقيقة في اليوم، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن فوراً، هو إذا كانا قد حققا ذلك التدمير، فلماذا يواصلان الحرب؟

من الطبيعي لمن حقق هدف تدمير قوة العدو أن يعلن النصر فوراً، وهكذا فعلت وتفعل كل جيوش الدنيا، حين تدمر قوة عدوها، فتنفتح لها أبواب دولة الخصم فتقوم باحتلالها، وتعلن النصر، الذي لا يكون أصلاً بحاجة إلى إعلان، نظراً لتحققه ميدانياً وعيانياً على الملأ، أما الادعاء فله هدف وحيد هو «رفع معنويات» من يقول به، حتى لا يتراجع بسبب الإحباط، والإحباط يقع حين يخطئ في التقدير، ويكون قد أعلن أهدافاً كبيرة عجز عن تحقيقها، فلا يكون حساب البيدر كما كان حساب الحقل، وهذا هو حال ثنائي «السيرك العالمي»، والحقيقة التي لم يعد فيها لبس هي أن الحرب ما زالت مستمرة ومتواصلة، وهي ليست من جانب واحد، صحيح أن المعتدي متفوّق جوياً، أي في سلاح الطيران، لكن المعتدى عليه متفوّق في الردّ الصاروخي والمسيّرات، اللذين لا يحققان توازناً في معركة الجو، لكنهما يحققان ردعاً، مع مرور الوقت.

وها هو الوقت يمر، وكلما طال تأكدت قدرة إيران على تحقيق هدفها بالردع، فإيران، على غير ما أعلنه عدوها، لم تعلن أنها تهدف لإسقاط نتنياهو وترامب، ولا تدمير القوة النووية الإسرائيلية، ولا إسقاط أميركا عن عرش النظام العالمي، ولا تدمير قواعدها العسكرية في المنطقة، كما لم تعلن عن أنها تسعى إلى طرد الاحتلال الإسرائيلي فوراً أو بنفسها من الأرض الفلسطينية واللبنانية والسورية المحتلة، أما عدوها فقد قال: إنه يسعى إلى إسقاط النظام الإيراني وتنصيب رضا بهلوي ولي عهد النظام الامبراطوري البائد منذ خمسين سنة، وقال: إنه يريد تدمير قوتها الصاروخية، والاستيلاء على ما لديها من يورانيوم مخصب، وإنه يريد أن يدمر من يعتبرهم حلفاءها الإقليميين، وقال نتنياهو: إنه يريد إعادة ترتيب الشرق الأوسط بقيام إسرائيل الكبرى، وقال ترامب: إنه يريد السيطرة على النفط الإيراني، ومنع تصديره إلى الصين.

فما الذي حدث بعد مضي ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب؟ الذي حدث هو أن النظام الإيراني لم يسقط رغم اغتيال رأس النظام منذ اليوم الأول، ولم تخرج التظاهرات لإسقاط النظام بل لدعمه والالتفاف حوله، ومساندته في مقاومته للعدوان الخارجي، ولم تتوقف الصواريخ ولا المسيّرات عن الانطلاق ولا عن الوصول، للقواعد الأميركية والعمق الإسرائيلي، كذلك عاد «حزب الله» أكثر قوة من ذي قبل، وكانت فرصته للرد على العربدة الإسرائيلية المستمرة منذ خمسة عشر شهراً، مقابل صمته وعدم قدرة لبنان على الرد، والأهم أنه تأكدت قدرة إيران على التحكم بمضيق هرمز، ومع أنه من المبكر الحديث عن نتائج الحرب، إلا أنه بعد أن تبدد وهم ترامب - نتنياهو، يمكن القول بكل ثقة: إن الشرق الأوسط لن يعود كما كان، ولن يكون كما يشتهي نتنياهو وترامب.

وترامب في آخر ادعاءاته قبل يومين قال: إنه مسح إيران من الخارطة، وطالب دول الخليج العربية بدفع 5 تريليونات دولار إذا أرادت منه أن يستمر في الحرب، أو دفع 2.5 تريليون دولار إذا أرادت أن يتوقف، وكأنها هي من طلبت منه شن الحرب، وليس نتنياهو، فيما هي طالبته باللجوء للتفاوض، ويبدو أن «كاوبوي» السطو العالمي، بعد أن تبددت أحلامه في غرينلاند وأوكرانيا وإيران وحتى فنزويلا، يوجه ضغوطه نحو دول الخليج العربية.

لكن مع توزع التساؤلات عن الحرب في كل الاتجاهات، يعود ترامب للكذب بالقول: إن إيران تريد وقفها وهو لا يريد، ويبدو أن في هذا الكلام بعض المنطق، من حيث لا يقصد بعد أن بات حاله مثل شريكه. لكن الملاحظ هو هبوط متواصل في سقف أهدافها المعلنة على الجانب العدواني، وارتفاع سقفها على الجانب الإيراني، والملاحظ أصلاً أنه مقابل ما يتشدق به نتنياهو وجوقته، وما يتشدق به ترامب، هناك صمت إيراني، فليس سوى بيانات «خاتم الأنبياء»، ومتوالية موجات إطلاق صواريخ «الوعد الصادق4»، مع صوت خافت لكنه واثق لوزير الخارجية عباس عراقجي، الذي بات يضع شروطاً لوقف الحرب، أولها أن تكون آخر الحروب، أي أن يكون وقف الحرب وفق اتفاق دولي، مع تعويضات، وأن تتوقف على كل الجبهات، بما فيها لبنان وغزة، ثم هناك مطالب يبدو أنها تفاوضية، من مثل طرد القواعد الأميركية، وأن يكون مضيق هرمز شأناً إقليمياً.

إذاً، كل ما رافق الحرب يوماً بيوم من تحليلات المتابعين المحايدين في الشرق الأوسط خاصة، بات صحيحاً تماماً، وأهمها مراقبة الحرب فيما إذا كانت ستقتصر على إستراتيجية العدوان الأميركي - الإسرائيلي، أي بتحقيق الأهداف بالضربة الأولى الخاطفة، أم أنها ستمضي قدماً وفق إستراتيجية صد العدوان والمقاومة بإطالة أمد الحرب، وكان أهم مفصل في هذا هو الأيام الأولى، الأسبوع الأول على أبعد تقدير، لكن مع مرور الأيام الأولى، ثم الأسبوع الأول فالثاني، فالثالث، فقد بات ذلك يعني أن أميركا وإسرائيل لم تحققا أهدافهما المعلنة، بل إنهما باتتا في ورطة حقيقية، لأن هذا معناه أنهما بدأتا الحرب لكنهما لم يعد بمقدورهما وقفها أو إنهاؤها.

قد يقول قائل: إن الرهان الأميركي - الإسرائيلي على تفريغ المخازن الإيرانية من الصواريخ والمسيّرات، بعد أن قدرا أنهما قد دمرا معظمها، وأن الرد سيأتي على ما تبقى.. لكن الرد على هذا القول هو أن هذا الأمر ينطبق على الجانب الآخر، وربما بدرجة أعلى، كما أن إيران تنتج صواريخها ومسيّراتها بنفسها، ومع استمرار الحرب يتواصل الإنتاج المحلي، كذلك ربما يراهن العدوان على أنه يلحق الدمار والخسائر بالجانب الإيراني، مقابل عدم إلحاق الصواريخ الإيرانية الخسائر بالمقابل، لكن الرد هو أن إيران في الأسبوع الرابع للحرب، انتقلت لمرحلة الردع، بعد مرحلة الصمود وامتصاص الضربة الأولى.

والحقيقة أن هذه الحرب التي يبدو أنها كانت حتمية بسبب التصادم بين قوتين إقليميتين، قد تحقق لإيران أكثر مما حلمت به، هذا في حال خرجت منها منتصرة، وذلك بالنظر إلى اللحظة الدولية الفارقة التي تحدث خلالها، وإذا كان نتنياهو قد نظر إليها باعتبارها فرصته الأخيرة، لأن أميركا بعد ذلك ستنكفئ إلى ما وراء البحار، وستهبط عن عرش النظام العالمي، فعدم تحقيق أهداف ترامب - نتنياهو هزيمة لهما وانتصار لإيران، وهزيمة ترامب - نتنياهو تعني سقوط النظام العالمي الأميركي بعد كسر شوكة أميركا، ودفن مشروع إسرائيل الكبرى، وفتح الباب في نفس الوقت لقيام نظام إقليمي قائم على توازن الثلاثي الإسلامي العربي - الإيراني- التركي، وقد بدأت دول الخليج التي اعتمد عليها ترامب في مواجهة الصين، ونتنياهو ببوابة «أبراهام» لتحقيق إسرائيل الكبرى، في الإعداد لإنشاء قوة عسكرية ذاتية، وليس مستبعداً أن تلفظ القواعد الأميركية بعد الحرب، أما إسرائيل فستواجه قدرها وحدها بعد ذلك.