حدود القوة في غطرستها وضعفها
نشر بتاريخ: 2026/03/24 (آخر تحديث: 2026/03/24 الساعة: 17:46)

أرادت إدارة ترامب وحكومة نتنياهو أن تحققا نصرا سريعا وسهلا، بتكلفة قليلة وبمردود مجزٍ هو وضع اليد على النفط الإيراني والتحكم في إنتاجه وتسويقه وإعادة بناء السيطرة على المنطقة على قواعد جديدة. أراد الشريكان تحقيق هدفهما بالقوة، ومع اكتشاف صعوبة ذلك أمام دفاع النظام الإيراني عن وجوده وبقائه في الحكم، استخدما المزيد من القوة والتدمير وقد طال أمد الحرب وقد تتحول إلى صراع طويل.

ينتمي الهجوم الأميركي الإسرائيلي إلى منطق غطرسة القوة الذي يقود انقلابا على منظومات النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية. وقد ارتبط الانقلاب بتوحش اقتصادي وسياسي وعسكري. ومن تجليات، ذلك اتخاذ قرار فردي ثنائي بمهاجمة ايران دون موافقة أو تفويض دولي عبر مجلس الأمن الدولي. والمبالغة بوجود خطر إيراني داهم نووي وباليستي، مع انه سبق لهما أن قالا، إن هجوم حزيران الماضي قد أزال ذلك الخطر ثم استحضرا الخطر بعد أشهر من إزالته لدواعٍ أخرى. في هذا الصدد، يتفوق نتنياهو وفريقه الحاكم في استحضار تهديد وجودي يزعم بأن أعداء إسرائيل سيبيدون سكانها اليهود إذا أتيحت لهم الفرصة.

تتعامل إسرائيل مع تهديد قائم وصراع مفتوح ودافع خارجي دائم للقضاء على الدولة اليهودية، ويفسر ذلك بأن أعداء إسرائيل متجذرون أيديولوجيا وسياسيا. ما يستدعي الرد بحرب مفتوحة وتكريس إسرائيل كنموذج جديد لإسبرطة التي تمتهن الحرب كأسلوب حياة. تتبع إسرائيل تكتيكا جديدا يتلخص بإزالة التهديدات قبل اكتمالها وتحولها إلى عنصر مفاجأة كما حدث يوم 7 أكتوبر، وبمبادرات هجومية مستمرة. حرب مفتوحة ينتقل مشعلوها من صراع حاد إلى حالة من الاشتباك والانتقال من فصل جديد إلى فصل آخر دون نهاية.

في الحرب المفتوحة و»جنون الارتياب» أزال نتنياهو العملية السياسية والتفاوض من جدول الأعمال، وكان قد مهد إلى ذلك بالتنكر للحل الدولي وللحقوق الفلسطينية المشروعة ومارس اضطهادا وتمييزا وتطهيرا عرقيا بحق المجتمع الفلسطيني. ولأن نتنياهو لا يملك غير القوة والعنف والاضطهاد والتطهير العرقي فقد انتقل إلى حرب إبادة وتدمير وتهجير في قطاع غزة وهو الآن يمارس مع شريكه الأكبر ترامب حرب الأرض المحروقة في لبنان وإيران. نجح في تدمير غزة لكنه سجل على دولته تهمة حرب إبادة مشفوعة بألف دليل بحق المجتمع الفلسطيني في غزة، ونال شهادة النبذ والعزلة من سائر الشعوب. حرب الإبادة في غزة والأرض المحروقة في لبنان وإيران وتهجير ملايين البشر في كل هذه البلدان قوضت وسوف تقوض هيبة القوة وآلة الحرب الحديثة ونظام استخباراتها البارع.

وجاء تهديد ترامب بمحو منشآت الطاقة الإيرانية، لغاية السيطرة على الطاقة والتحكم في أسواقها وأسعارها وممراتها. والذي سبقه استهداف إسرائيل للميناء الرئيسي في - جزيرة خرج» الإيرانية واستهداف اكبر حقل للغاز الطبيعي الإيراني «حقل بارس»، وأعقبه استهداف ايران لمنشآت الطاقة في دول الخليج العربي وتهديدها بمواصلة استهدافها ردا على العدوان، إن كل هذا الاستعراض الوحشي التدميري للقوة كشف عن الخواء الإنساني للنظام الجديد، وقد بدأت شعوب المنطقة وشعوب العالم تدفع ثمنا باهظا ومتزايدا. كل هذه القوة كشفت عن حدود القوة وقبح استخداماتها وهبوط مستخدميها إلى الحضيض.

مقابل ذلك، يعتقد النظام الإيراني أنه يواجه خطرا وجوديا، ولتفادي سقوطه يقامر بكل الأوراق، فلم يتورع عن استهداف مراكز الطاقة ومنشآتها وحقولها وممرات التجارة الدولية. يستطيع النظام إلحاق خسائر بأميركا وإسرائيل لكنه لا يوازن تلك الخسائر بالخسائر التي تلحق به وبالشعب الإيراني وبالدول والشعوب العربية التي تقدر بحسب منظمات أممية بـ 150 مليار دولار إذا ما استمرت الحرب شهرا واحدا. بدوره، دخل النظام الإيراني سباق القوة محاولا ترسيخ مكانته الإقليمية وقدرته على الردع تحت سقف انتزاع حصة أو نفوذ له في إقليم تهيمن عليه إسرائيل. وليس من أجل تحرر الشعب الفلسطيني من الاحتلال وتحرر شعوب المنطقة من علاقات التبعية الاقتصادية والسياسية. استخدم النظام الإيراني خطابا دعويا يحض على إزالة إسرائيل دون أي استراتيجية وواقع الحال أن أقصى هدف للنظام هو اعتراف أميركي بحصته الإقليمية وهو يعلم أن هذا مجرد شعار يستطيع من خلاله تبرير تغلغله في المنطقة. لكنه تجاهل حقيقة أن شعار إزالة إسرائيل ساعد الأخيرة في تبرير حربها والسعي لتحقيق أطماعها الاستعمارية بذريعة الدفاع عن وجودها المهدد بالإزالة، بما في ذلك حربها لإزالة خطر السلاح النووي والباليستي وخطر التنظيمات المسلحة التي تدعمها ايران في اربع دول عربية.

إن هجوم ايران على مراكز الطاقة ومنشآت تحلية المياه وحقول الغاز والنفط كان يعني أنها لا تكترث بمصالح الشعوب العربية التي كانت أول من يدفع الثمن ولا تكترث باتفاقاتها مع دول الخليج وخاصة الإمارات حيث «تستخدم دبي كمركز مالي لشبكتها العالمية للتحايل على العقوبات، وأدارت ظهرها لعُمان التي سمحت لمصارفها المُعاقبة دوليا بالعمل على أراضيها» بحسب هيئة تحرير «وول ستريت جورنال» التي دعت إلى مصادرة الأصول المالية الإيرانية غير المشروعة في جميع بلدان الخليج، فضلا عن الاتفاقات التجارية والسوق الخليجية المفتوحة أمام السلع الإيرانية. إن استخفاف ايران بالدول الخليجية، وبشكل خاص مقامرتها بلبنان الدولة والشعب يأتي على خلفية صعود القوة الإيرانية واعتقادها بأنها قادرة على فرض شروطها على دول الخليج، بمثل ما فرضت تغلغلها وسيطرتها في دول عربية أخرى مثل لبنان وسورية في عهد الأسد، والعراق، واليمن وقطاع غزة وشمال الضفة في مواجهة سيادة هذه الدول ومواجهة السلطة الفلسطينية الممنوعة من السيادة. لم يتعامل النظام الإيراني بسياسة حسن جوار واحترام متبادل مع دول الخليج، ولم يحترم سيادة الدول العربية الأخرى. والأسوأ أن طابع الاستقطاب لم يكن مع شعوب في مواجهة دول كما كان يحدث إبان صعود حركات التحرر، بل اعتمد النظام استقطابا حصريا لمذهب واحد يؤدي إلى الانقسام، واعتمد أيديولوجيا تعصبية – الولي الفقيه – وعقيدة رجعية وديكتاتورية لا تعترف بحقوق الإثنيات ولا بالتعدد السياسي والثقافي، ما يعطل الاستقطاب الإيجابي في هذه المعركة.