في الحروب لا تُقاس المأساة بعدد القذائف، بل بعدد الخيام التي ارتفعت مكان البيوت. بيوتٌ تحوّلت إلى خيام بيضاء تشبه الأكفان، تكتب فصول الموت المؤجل، وتختصر حكاية نزوحٍ فلسطينيٍّ موجع. في هذا المشهد، تتكاثر المؤسسات الإغاثية، وتتحرك قوافل المساعدات، لكن السؤال الذي يؤرق النازحين يبقى معلّقًا: هل تُقدَّم الخدمات لأجل الإنسان، أم لأجل الصورة الإعلامية التي تحصد الإعجابات وتفتح أبواب التمويل عبر منصات التواصل؟
انتشرت “التكيات” في مناطق النزوح بكثافة، لكن هل أدّت دورها كما ينبغي؟ مشاهد ازدحام الأطفال والنساء أمام أبوابها تختزل صورةً مؤلمة لا تليق بشعبٍ عُرف بكرامته. جودة الطعام في كثير من الأحيان لا ترقى إلى الحد الأدنى المقبول، حتى بات ما يُلقى في النفايات أحيانًا أكثر مما يُؤكل، خصوصًا في شهر رمضان، حيث يُفترض أن تُصان الكرامة قبل البطون.
خلل المنظومة الإغاثية لم يعد تفصيلًا عابرًا، بل صار عنوانًا لأسئلة صادمة: ضجيج بين الجمعيات، تنافس على الظهور، وموضة “المبادرين” الذين يتقنون صناعة المشهد أكثر من صناعة الأثر. بعضهم يحترف تصوير “البروموهات” المفبركة، فتجد أربع مؤسسات تضع لافتاتها على القدر نفسه، في مشهدٍ يختلط فيه الخير بالشعارات. هنا تتجلى لصوصية الصورة؛ بربطات عنق أنيقة ووعودٍ براقة تخطف عقول المتبرعين في الداخل والخارج، بينما يظل النازح ينتظر نصيبه بين عدسة كاميرا وابتسامة مصطنعة.
أما الطرود الإغاثية، فقصتها لا تقل إيلامًا. تصل أحيانًا بما لا تحتاجه الأسر، فتضطر إلى بيع جزءٍ منها بثمنٍ بخس لتأمين احتياجات أساسية مفقودة. غياب التخطيط، وانعدام قاعدة بيانات دقيقة، وازدواجية التوزيع، كلها عوامل تُفاقم الظلم بدل أن تُخففه. والأسوأ أن بعض التجاوزات تمتد إلى استهداف الميسورين بدافع المعرفة أو الصداقة، فيما تُرفع شعارات دعم الأرامل وذوي الشهداء لتصل المساعدات إلى غير مستحقيها.
ولا يمكن الحديث عن الخلل دون مساءلة الجهات المسؤولة عن الرقابة. في زمن الحرب، تتضاعف مسؤولية السلطات الوطنية والمؤسسات الرسمية في حماية المواطن، لا في الاكتفاء بدور المتفرج. أين التقارير الدورية التي تكشف حجم التبرعات وأوجه صرفها؟ أين قواعد البيانات المعلنة التي تمنع الازدواجية؟ وأين لجان المتابعة المستقلة التي تراجع الشكاوى وتُحاسب المقصّر؟
غياب الشفافية لا يخلق خللًا إداريًا فحسب، بل يفتح الباب أمام الفوضى واللصوصية، ويحوّل العمل الإغاثي من مظلة أمان إلى ساحة تجاذب.
ورغم كل ذلك، لا بد من الإنصاف؛ فهناك مؤسسات وجمعيات تبذل جهدًا صادقًا بصمت، وتعمل بإخلاص بعيدًا عن عدسات التصوير وضجيج المنصات. لكن وجود المخلصين لا يبرر السكوت عن التجاوزات، بل يفرض حمايتهم من تشويه سمعة العمل الإنساني بسبب قلةٍ احترفت العبث بوجع الشعب المطحون.
الأخطر من سوء التوزيع هو ما يتركه من شرخٍ في العلاقة بين المواطن والمؤسسة. حين يشعر النازح أن حقه مرهون بصورة، أو واسطة، أو صدفة، يفقد ثقته بمن يفترض أنهم حماة كرامته. يتحول من مواطن صاحب حق إلى متلقٍ ينتظر دوره في طابور طويل من الشك. وفقدان الثقة هذا ليس تفصيلًا عابرًا؛ إنه نزيف صامت في جسد المجتمع، يضعف التضامن، ويزرع الإحباط، ويُراكم غضبًا مكبوتًا.
الحل ليس في إلغاء العمل الإغاثي، بل في إصلاحه. المطلوب إنشاء لجان وطنية داخل فلسطين وخارجها تضم شخصيات مشهودًا لها بالنزاهة، تحت مظلة “صندوق دعم النازحين الفلسطينيين”، تُوحَّد فيه التبرعات، وتُعتمد كشوفات دقيقة للنازحين، مع منح أكواد مالية تُصرف عبر المحافظ الإلكترونية، بما يضمن عدالة التوزيع ويغلق أبواب التلاعب، ويفتح المجال أمام التجار لتصريف بضائعهم تحت رقابة صارمة تمنع الاستغلال.
فالكرامة في زمن النزوح لا تقل أهمية عن الخبز،
والعدالة في الإغاثة ليست مطلبًا إداريًا… بل اختبارًا أخلاقيًا في زمن الحرب.