محصّلة أسبوعين من الحرب حتى الآن
نشر بتاريخ: 2026/03/16 (آخر تحديث: 2026/03/16 الساعة: 16:00)

بخلاف ما أراده رئيس أميركا دونالد ترامب، الذي قال في بداية الحرب: إنها قد تستمرّ أربعة أيّام، كان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية»، ووزير جيش الاحتلال، يسرائيل كاتس، لا يزالان يتحدّثان عن أنها قد تستمرّ لأسابيع أو أكثر، وها هي الحرب تدخل أسبوعها الثالث، دون أن تتوفّر مؤشّرات جدّية على إمكانية توقفها خلال أيّام قليلة.

يكثر الحديث والتسريبات عن أن ترامب يسعى عَبر وسطاء إلى وقف الحرب، والعودة إلى مفاوضات يدّعي أن إيران تطلبها، لكن الأخيرة أعلنت غير مرّة أنها ترفض وقف الحرب.

كلٌّ له شروطه، فترامب يصرّ على أن تأتي إيران إلى المفاوضات وهي ترفع راية الاستسلام الكامل، والإذعان لشروطه التي لا يعرف أحد حدودها، بينما تتحدث إيران عن أنها قد توافق على إنهاء الحرب وفق شروطها.

الشريك الأبرز في تلك الحرب، وهو الجانب الإسرائيلي، لا يرغب في وقف الحرب إلّا بشرط سقوط النظام الإيراني، وانهياره بالكامل.

ثمّة مخاوف إسرائيلية من أن يفاجئهم ترامب بالإعلان عن الانتصار الكامل والسّاحق من طرف واحد، وبالتالي الإعلان عن وقفها من قبل أميركا.

إنْ وقع ذلك، أي كما يريد ترامب، وهو بالتأكيد لن يفعل ذلك دون التنسيق مع الجانب الإسرائيلي، فإن الأخير سيكون في ورطة؛ إذ إنه لا يستطيع مواصلة الحرب لوحده، وتحقيق الانتصار الذي يريده، لا بل إنه قد يتعرّض لهزيمة محقّقة.

في هذه الحالة من المرجّح أن نتنياهو سيواصل الحرب على الجبهة اللبنانية، وربّما تصعيد الأوضاع مع قطاع غزّة والضفة الغربية، ولكن سيترتّب عليه أن يجد حلاً للمناورة اللبنانية.

الدولة اللبنانية طرحت مبادرة للمفاوضات تلقّفتها فرنسا، ويبدو أن واشنطن بدأت تستمع إليها. الفرنسيون تقدّموا بمبادرة تتضمّن وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي، مقابل اعتراف لبنان بالدولة العبرية.

تدرك دولة الاحتلال أن ذلك لو حصل، كما تقترح فرنسا، فإن المشكلة ستكون في استعداد وقدرة الدولة اللبنانية على دفع الثمن في ظلّ تمسّك «حزب الله» اللبناني بموقفه الرافض للاعتراف بدولة الاحتلال، والمستعدّ للمقاومة وتدفيع الأخيرة الثمن.

الاقتراح الفرنسي لا يجابه معضلة الحزب فقط، بل إن الكثير من اللبنانيين يرفضون من حيث المبدأ الاعتراف بدولة الاحتلال، حيث فشلت كل المحاولات السابقة في أن تحقّق هذا الهدف حتى قبل ولادة الحزب، وإبان سيطرة «اليمين» اللبناني على الحكم.

ولأن دولة الاحتلال تدرك كل هذه التعقيدات، وتصرّ على استمرار الحروب في المنطقة، حتى إزالة كل التهديدات، التي فشلت في أن تفعل ذلك، تحضّر فعلياً وتسابق الزمن لتوسيع عملياتها العدوانية في جنوب لبنان وتستهدف احتلاله حتى نهر الليطاني.

هذا بالإضافة إلى أن أهداف نتنياهو ودوافعه لمواصلة حروبه مرتبطة أساساً بالهدف الإستراتيجي الذي أعلنه غير مرّة، ويتعلّق بإعادة صياغة الشرق الأوسط، والتوسّع في المنطقة استناداً إلى خارطة «إسرائيل الكبرى».

محصّلة الحروب التي تشنّها دولة الاحتلال، بدعم وشراكة مع أميركا منذ أكثر من سنتين، هي أقرب إلى الصفر. كذلك لم تنجح حتى الآن، في التخلّص من التهديد الذي يتعلّق بـ»حماس» والمقاومة في غزّة، ولم تنجح حتى الآن في التخلّص من التهديد الذي يتعلّق بـ»حزب الله» اللبناني، و»الحشد الشعبي» العراقي، و»أنصار الله» الحوثيين اليمنية. كما أنها لم تنجح في التخلّص مما تسمّيه التهديد الإستراتيجي الأساسي وهو إيران.

إزاء الحرب على إيران، تعاني دولة الاحتلال ومعها أميركا من أكثر من فشل.

لم يسقط النظام الإيراني، ولا يبدو أنه قابل للسقوط كما اعتقد من شنّوا الحرب، بعد الضربة الأولى التي أسفرت عن اغتيال علي خامنئي، ونحو 40 مسؤولاً كبيراً، عسكريين وسياسيين.

ولم تندلع الاحتجاجات التي حرّض عليها الطرفان الأميركي والإسرائيلي، للانقضاض على ما اعتقدوا أنه نظام هشّ قد أصبح في أضعف أحواله، بعد القصف المكثّف الذي لم يترك شيئاً إلّا واستهدفه.

وفشلت محاولات تحريض «المعارضة» الكردية الإيرانية للقيام بعمل عسكري برّي، من شأنه أن يؤدّي إلى بداية تفكيك الدولة ويشكّل مُحفزاً لقوميّات أخرى للحاق بها.

وفشلت أجهزة الاستخبارات الأميركية الإسرائيلية في تقييم وتقدير قدرات إيران على الصمود، ومواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات، على نحو موجع ومؤثّر على دولة الاحتلال والقواعد والمصالح الأميركية في المنطقة. وربّما فوجئت الأخيرة باستعداد إيران، وامتلاكها القدرة على استهداف القواعد والوجود الأميركي في دول الخليج، على اعتبار أنّ إيران لا ترغب في تصعيد العداء والتوتّر مع هذه الدول.

الحديث عن هذا الفشل الذريع لا يقرّر بطبيعة الحال نتائج الحرب الجارية، التي لا تزال مفتوحة على الاحتمالات، والأمر مرتبط بمدى صمود إيران، وامتلاك القدرة على مواصلة إطلاق الصواريخ والمسيّرات، والقدرة على التحكّم في حركة المرور عبر مضيق هرمز. ولكن مبدئياً، فإن ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها على الأقلّ، وقد أدركت العربية السعودية ودول الخليج أن العدوّ الأساس هو دولة الاحتلال، وأن القواعد الأميركية تشكّل عبئاً على أمنها القومي.

ولعلّ الدرس الأهمّ، هو أن أميركا التي حشدت كل هذا الكمّ والنوع من القوّات، كرّست همّها للدفاع عن دولة الاحتلال، ولم تقم بدورها المأمول في الدفاع عن الدول التي وافقت على استقبال القواعد الأميركية، من أجل حمايتها والدفاع عنها. قد قال أحدهم: إن الأمر أفضى إلى أن دول الخليج يترتّب عليها الدفاع عن المصالح والوجود الأميركي، بدلاً من أن يكون هذا الوجود للدفاع عنها.