يوم الجريح الفلسطيني… جراح الجسد ووجع الوطن
نشر بتاريخ: 2026/03/15 (آخر تحديث: 2026/03/15 الساعة: 18:18)

في الثالث عشر من آذار من كل عام، يحيي الفلسطينيون يوم الجريح الفلسطيني، وهو يوم لا يُقاس بطقوس الاحتفال ولا ببلاغة الخطب، بل بعمق الجراح التي حفرتها الرصاصات في أجساد الفلسطينيين، وبالذاكرة الثقيلة التي يحملها كل جريح في قلبه وجسده. إنه يوم يستحضر قصة إنسانية طويلة من الألم والصبر، تختلط فيها تضحيات الأجساد بكرامة الأرض.

فالجريح الفلسطيني ليس رقماً في سجلات المؤسسات ولا عنواناً عابراً في نشرات الأخبار، بل إنسانٌ دفع من جسده ثمناً للحرية. منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي، مروراً بسنوات الانتفاضتين، وصولاً إلى الحروب المتعاقبة التي أنهكت الأرض والإنسان، امتلأت الساحة الفلسطينية بآلاف الجرحى من الشباب والنساء والأطفال والشيوخ. لكل جريح قصة، ولكل جرح حكاية تختصر لحظة مواجهةٍ بين جسدٍ أعزل وقوةٍ عسكرية لا تعرف الرحمة.

هناك من فقد ساقه على حاجزٍ عسكري، ومن فقد يده في لحظة إنقاذ طفل، ومن بقيت شظايا الرصاص في صدره تذكيراً يومياً بأن الحرية في فلسطين لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالدم. أما المبتورون، فهم حكاية أخرى من الصبر الثقيل؛ رجلٌ يتعلّم المشي من جديد على قدمٍ صناعية، وشابٌ يعيد ترتيب حياته بيدٍ واحدة، وطفلٌ يحاول أن يفهم لماذا تغيّر جسده قبل أن يفهم معنى الحرب.

هذه الجراح ليست طبية فقط، بل نفسية وإنسانية عميقة، لأن الألم لا يقيم في الجسد وحده، بل يسكن القلب والذاكرة أيضاً. فالجرح المفتوح في الجسد قد يلتئم مع الزمن، لكن الجرح المفتوح في الروح يحتاج إلى رعاية واحتضان وعدالة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يتردد في ضمير المجتمع كلما جاء يوم الجريح: أين السلطة الفلسطينية من الجرحى؟

هل تحوّل الجريح إلى ملف إداري في درج بيروقراطي؟

وهل أصبح الألم مجرد رقم في موازنةٍ مالية تتأرجح بين القرارات السياسية والضغوط الدولية؟

إن تخصيص رواتب للجرحى ليس منّةً ولا بنداً في الشؤون الاجتماعية، بل هو واجب وطني وأخلاقي تجاه رجال ونساء قدموا أجسادهم دفاعاً عن الوطن. هؤلاء ليسوا محتاجين للمساعدة بقدر ما هم ثوار وأبطال من أبطال النضال الفلسطيني، ويجب الوقوف إلى جانبهم في حياتهم، وتعويضهم مادياً ونفسياً، وتوفير حياة كريمة تعوض شيئاً مما فقدوه من دمائهم وأجسادهم المنهكة.

كما أن دمج الجرحى في المجتمع الفلسطيني ليس عملاً خيرياً، بل مسؤولية وطنية. فالمجتمع الذي يكرّم جرحاه ويحفظ كرامتهم هو مجتمع يحفظ ذاكرته وكرامته أيضاً. لذلك فإن توفير العلاج المستمر، والتأهيل الجسدي والنفسي، وفرص العمل، والأجهزة الطبية، ليست مطالب إنسانية فقط، بل هي جزء من العدالة الوطنية.

ويبقى السؤال موجهاً أيضاً إلى خارج حدود فلسطين: أين الأشقاء العرب من دعم وتأهيل الجرحى الفلسطينيين؟

وأين العالم الذي يرفع شعارات حقوق الإنسان من وقف الحروب التي تخلّف كل هذا الألم؟

إن الجرحى الفلسطينيين لا يريدون شفقةً عابرة، بل عدالة حقيقية. لا يريدون خطاباتٍ موسمية، بل نظام رعايةٍ يليق بتضحياتهم، وحياةً كريمة تضمن لهم أن يعيشوا كباقي شعوب الأرض.

ففي نهاية المطاف، قد تلتئم جراح الجسد مع الزمن، لكن الجرح الذي يهمله وطنه… يبقى مفتوحاً في ذاكرة التاريخ.