الحرب في الشرق الأوسط ومعايير الاصطفاف: إيران أم أمريكا وإسرائيل؟!
نشر بتاريخ: 2026/03/10 (آخر تحديث: 2026/03/10 الساعة: 15:58)

يعاتبنا بعض الأصدقاء حين ندعو لإيران بالثبات ومغالبة كيد المعتدين، ويجادلون بأن هذا الموقف قد يُفهم منه عدم الاكتراث بما تتعرض له بعض دول الخليج من استهداف في سياق المواجهة الدائرة في المنطقة. غير أن هذا العتاب يقوم في جوهره على مغالطة ينبغي التنبه لها، وهي الخلط بين فهم سياق الصراع القائم، وبين الموقف المبدئي من أمن الدول العربية واستقرارها.

فالحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن إيران لم تكن هي من بدأ هذا العدوان في صورته الراهنة، وإنما جاءت المواجهة نتيجة تصعيد طويل غذّته سياسات الهيمنة والضغط التي انتهجتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مدفوعة إلى حدٍّ بعيد بأجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لقد ظل نتنياهو على مدار عقود يحاول جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مع إيران، مقدّمًا ذلك بوصفه ضرورة أمنية لحماية إسرائيل والعالم الغربي من “الخطر الإيراني”.

غير أن كثيرًا من المفكرين والسياسيين والعسكريين الأمريكيين أنفسهم أكدوا في أكثر من مناسبة أن الحرب على إيران ليست حربًا من أجل المصالح الأمريكية المباشرة، بل هي في جوهرها حرب نتنياهو التي نجح أخيرًا في تسويقها داخل بعض دوائر القرار في واشنطن. فشيطنة إيران، واتهامها بدعم الإرهاب، وتضخيم خطر برنامجها النووي، كانت جميعها أدوات سياسية وإعلامية استخدمت لتبرير المواجهة وتعبئة الرأي العام الغربي.

وفي هذا السياق، يمكن فهم جانب مهم من مشهد الاصطفافات في الشرق الأوسط. فإسرائيل كانت تسعى منذ سنوات إلى خلق حالة من الاستقطاب داخل المنطقة، بحيث ينشغل العرب والمسلمون بصراعاتهم البينية، بينما تبقى هي بعيدة عن دائرة الاستهداف، بل وتتحول إلى شريك أمني لبعض الدول التي تبحث عن مظلة حماية في مواجهة إيران أو غيرها من التهديدات الإقليمية.

وقد عبّر نتنياهو نفسه أكثر من مرة عن هذه الرؤية، حين تحدث عن “شرق أوسط جديد” تكون فيه إسرائيل لاعبًا مركزيًا في معادلات الأمن والتحالفات. ومن هنا جاء الدفع المتواصل نحو توسيع دائرة التطبيع، وربط أمن المنطقة بالتحالف مع إسرائيل والاحتماء بالمظلة الأمريكية.

لكن تطورات الحرب الأخيرة كشفت كثيرًا من الحقائق التي كانت مخفية أو يجري التغاضي عنها. فقد أدركت قطاعات واسعة من شعوب المنطقة أن الوجود العسكري الأمريكي، بما فيه من قواعد وحشود ضخمة، لم يكن في جوهره لحماية الدول العربية، بل لضمان تفوق إسرائيل الاستراتيجي وحماية أمنها قبل أي شيء آخر.

بل إن المفارقة المؤلمة التي ظهرت خلال هذه المواجهات أن بعض القواعد العسكرية التي جرى إنشاؤها بذريعة توفير الحماية، تحولت إلى بؤر توتر واستهداف، من دون أن تكون قادرة حتى على حماية القوات الأمريكية الموجودة فيها بشكل كامل، فكيف يمكن أن توفر الأمن والسلامة لشعوب المنطقة؟

ولا شك أن كل عربي أو مسلم قد أحزنه ما شهدته بعض دول الخليج من استهداف وتوتر أمني، فهذه دول شقيقة، وأمنها واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن الأمة العربية والإسلامية. ولم يكن من الطبيعي أن نصطف مع طرف ضد آخر لو كان الصراع يدور بين دول عربية أو إسلامية.

غير أن مشهد الحرب الراهن يختلف في طبيعته وسياقه؛ إذ إن دولة مسلمة – مهما اختلفنا مع سياساتها – تتعرض لعدوان واسع تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو عدوان وُجهت إليه انتقادات واسعة حتى داخل المؤسسات السياسية والأكاديمية في الغرب، لكونه يفتقر إلى التفويض الدولي ويخالف قواعد القانون الدولي.

كما أن هذه الحرب تأتي في أعقاب حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة، دعمتها الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا، وأسفرت عن كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث سقط مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، وكان معظم الضحايا من النساء والأطفال، فضلًا عن الدمار الهائل الذي طال المدن والمخيمات والبنية التحتية وكل ما يمت للحياة بصلة.

إن القراءة الاستراتيجية لما يجري اليوم في المنطقة تفرض علينا ألا ننجرّ إلى معارك جانبية تستنزف طاقات الأمة وثرواتها. فالأمة العربية والإسلامية أحوج ما تكون إلى الحد الأدنى من التضامن والتفاهم، بدل أن تتحول أراضيها إلى ساحات صراع بالوكالة تخدم مشاريع الهيمنة الخارجية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنجح إسرائيل في جرّ المنطقة إلى صراعات داخلية تستنزف الجميع، وتفتح الطريق أمام مشاريعها التوسعية التي يتحدث عنها اليمين الصهيوني المتطرف تحت عناوين “إسرائيل الكبرى” أو “إسرائيل التوراتية”، وهي مشاريع تجد دعمًا أيديولوجيًا لدى التيارات المسيحية الصهيونية المؤثرة في السياسة الأمريكية.

من هنا، فإن معيار الاصطفاف الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين إيران ودول عربية، بل بين مشروع الهيمنة الذي تقوده إسرائيل ومن يدعمها، وبين حق شعوب المنطقة في الأمن والاستقلال والسيادة. فمعركة الوعي اليوم لا تقل أهمية عن معركة السياسة، وما لم تدرك شعوبنا طبيعة ما يُحاك للمنطقة، فإنها قد تجد نفسها – دون أن تشعر – جزءًا من معركة تخدم خصومها أكثر مما تخدم مصالحها.