«حماس»، و«الجهاد»، والحرب على إيران
نشر بتاريخ: 2026/03/04 (آخر تحديث: 2026/03/04 الساعة: 18:49)

ما انعكاسات الحرب الجارية ضد إيران على حركتَي، الجهاد الإسلامي، و»حماس» في فلسطين؟

لا شك أن نتائج هذه الحرب ستكون لها آثار بارزة على الحركتَين.

إن الحركتين الإسلاميتين هما الأكثر قرباً إلى إيران، وكانتا تتلقيان الدعم المالي والعسكري من إيران، كما أنهما تتلمذتا عسكرياً على يد «حزب الله»، وابتعدتا عن منظمة التحرير الفلسطينية، لأنهما لا تؤمنان بكثير من مبادئ ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، فهما تعارضان السلطة الفلسطينية واتفاقية أوسلو، كما أن أهم مبادئ الحركتين لا يتوافق مع مبادئ منظمة التحرير الفلسطينية، لا سيما في قضية مركزية، وهي أن الحركتين السابقتين تؤكدان على أنهما حركتان عربيتان إسلاميتان، ولا تنصان على عالمية القضية الفلسطينية في مبادئهما، ولا تعتبران قضية فلسطين قضية تحرر دولية عالمية.

فقد نص ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية في المادة 16 على «أن تحرير فلسطين بالنسبة للعالم هو مبدأ رئيس نص عليه ميثاقُ الأمم المتحدة».

جاء في المادة 21 من ميثاق منظمة التحرير: «يؤمن الشعب الفلسطيني بمبادئ العدالة والحرية، ويؤيد جميع المساعي الدولية التي تهدف لإقرار السلام، على أساس الحق والتعاون الدولي الحر».

انطلاقاً من هذا الميثاق، سارعت منظمة التحرير الفلسطينية في بداية ظهورها للانضمام إلى منظومة دول عدم الانحياز في القرن الماضي، هذه المنظومة كانت تضم 121 دولة، هدفها أن تشكل محوراً وسطياً بين قطبَي العالم الرئيسيَّين (الشيوعية والرأسمالية). كانت دول عدم الانحياز تمثل ثلثَي أعضاء الأمم المتحدة، نحو 55% من سكان العالم. انضمت منظمة التحرير لدول عدم الانحياز عام 1970م بصفتها مراقباً، ثم أصبحت عضواً كاملاً عام 1975، وكان أبو عمار يشارك في مؤتمرات «عدم الانحياز» كرئيس دولة فلسطين.

كانت منظمة التحرير تشارك في حل الخلافات بين كل دول تلك المنظومة أيضاً.

أما حركة الجهاد الإسلامي، التي أسسها فتحي الشقاقي كفكرة في البداية عام 1978، ثم أُعلن عنها كحركة مقاومة فلسطينية باسم حركة الجهاد الإسلامي عام 1981م، فعَرَّفتْ نفسَها في ميثاقها: «أنها حركة إسلامية، تهدف لتحرير فلسطين بالكامل، لغرض إقامة حكم إسلامي على أرض فلسطين، وأنها تلتزم بالإسلام عقيدة ونظام حياة، وتؤمن بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وأن وجود إسرائيل باطلٌ، يحرم الاعتراف به، وأن الجماهير الإسلامية والعربية هي العمق للشعب الفلسطيني». كما أنها لم توافق على نهج منظمة التحرير الذي نص على اعتماد الدبلوماسية نهجاً مرغوباً فيه، لذا خاضت المنظمة مفاوضات مع إسرائيل.

من يتابع ميثاق حركة الجهاد الإسلامي، يستنتج أن أهداف الحركة لم تؤكِّد بصورة واضحة عالمية الحركة وانفتاحها على مجموع دول العالم، ومشاركة العالم الحر في شجب الاحتلال، حيث كانت تعتبر العالمية شعاراتٍ خطابيةً وليست مبدأً من مبادئ الحركة، مثلما نصت عليه مبادئ الميثاق الوطني الفلسطيني، وهذا يجعلها تختلف عن منظمة التحرير، لذلك فإن «الجهاد الإسلامي» منذ تأسيسها ظلت تبتعد عن المشاركة في الحكومات، وتكتفي بالاعتراض على ما يصدر من السلطة الفلسطينية من القرارات. كما أنها لم تُفلح حتى في أن تجمع حولها العالم العربي السني، كما أنها تحالفت مع إيران الشيعية كداعم سياسي ومالي، لذلك فقد صنفتها الدول العربية السنية حركة شيعية تُسيّرها إيران. على الرغم إعلانها أنها لا تتبع إيران، غير أنها أكدت أنها تتحالف معها في مواجهة إسرائيل.

أما حركة «حماس»، التي أُسست في أواخر 1987، فهي أيضاً الحركة الإسلامية الثانية في فلسطين التي لا توافق على معظم بنود ميثاق منظمة التحرير، فهي أيضاً تُشير إلى أنها جزءٌ من حركة (النهضة الإسلامية) ترتبط فكرياً بجماعة الإخوان المسلمين. جاء في وثيقتها المنشورة يوم 1-5-2017 في بند رقم 20: «إن إقامة دولة فلسطينية، وعاصمتها القدس على حدود الرابع من شهر حزيران 1967 هي صيغة توافق وطنية مشتركة، تؤكد أنه لا تنازل عن أي جزء من أرض فلسطين مهما كانت الأسباب والظروف والضغوط، ومهما طال الاحتلال».

حاولت أن أفهم من البند السابق أن «حماس» وافقت على إنشاء دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 1967، قرأتُ النص أكثر من مرة لكنني فشلتُ في معرفة الجواب الصحيح، فهل وافقت أم أنها رفضت رفضاً مُبطناً مبدأ منظمة التحرير (تشكيل حكومة فلسطينية على ما يُتاح لنا من أرض)؟

وعندما قرأتُ بنود «حماس» التالية، أيقنت أنها رفضت النص السابق رفضاً تاماً، ولم توافق على ما وافقت عليه منظمة التحرير، لأن بقية مبادئ «حماس» تؤكد الرفض وليس القبول، ففي الوثيقة نفسها في البند 27 تقول: «لا بديل عن إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس» (كل التراب الوطني الفلسطيني، وليس حدود الرابع من حزيران 1967).

إن عالمية قضية فلسطين كانت جوهر النضال الفلسطيني، وسوف أظل أتذكر كيف أن معسكرات المقاومة الفلسطينية كانت بؤرة إشعاع دولية عالمية للحُريات في ستينيات القرن الماضي، لذلك فإن كثيرين من أحرار العالم في دول العالم غير العربية والإسلامية كانوا يتوافدون على مقرات منظمة التحرير يعمِّدون حرياتهم فيها، يشاركونها في مبادئها، لإيمانهم بأن منظمة التحرير حركة تحرر عالمية تستحق الدعم المالي والمعنوي.

فهل إغفال حركتَي «حماس» و»الجهاد» مبدأ عالمية القضية الفلسطينية كان يرمي للإطاحة بعالمية القضية الفلسطينية، لتصبح قضية نزاع محدودة بين فلسطين وإسرائيل؟

لقد ركزت الحركتان على العرب والمسلمين فقط، وأهملتا البُعدَين الدولي والعالمي، حتى أن كثيراً من دول العرب لم تقتنع بمبادئ «حماس» و»الجهاد»، لذلك فإن كثيراً من دول العرب لم يُرحبوا ببرنامج الحركتين، كما أنهما ناصرتا انشقاقات وثورات محلية في العالم العربي بحجة أنهما تشتركان في المبدأ نفسه، مثلما حدث في مصر عندما ناصرت «حماس» صعود «الإخوان المسلمين» إلى سدة الحكم في مصر، ما أدى إلى فقدان الحركتين معظم الدعم العربي لقضية فلسطين، فلجأت المنظمتان للحصول على الدعم الإيراني كبديل لهذا الخلل، ما زاد العداء العربي السني لهما، باعتبارهما انضمتا للحلف الإيراني الشيعي، خاصة عندما وثَّقتْ الحركتان العلاقة مع «حزب الله» في لبنان، وأصبحتا تعتبرانه مرشدهما العسكري والأيديولوجي.

لقد فهمت إسرائيل ذلك فهماً دقيقاً، وعملت على تغذيته، وأعدتْ الخطط لمواجهته وكانت تُعد الخطط لإضعاف هذا المحور الجديد، المسمى «محور المقاومة»، وكانت تعلم أن الهدف الرئيس لإسقاطه هو شن هجوم واسع على إيران، باعتبارها المحرك الرئيس للإرهاب في العالم، فلم يكن الهجوم على إيران عفوياً أو بسبب الملف النووي، بل كان لإضعاف الراعي الإيراني المناصر لمحور المقاومة. مع العلم أن إسرائيل نجحت في إزاحة «حزب الله» عن ملف غزة بعد كارثة السابع من أكتوبر، لهدف إنهاء قضية فلسطين.

بدأ تنفيذ هذه الخطة بعمليات الاغتيال، اغتالت إسرائيل صالح العاروري في بيروت يوم 2-1-2024، ثم نفذت خطة تفخيخ أجهزة البيجر لأنصار «حزب الله» في لبنان 17-9-2024، ثم اغتالت أشهر زعماء المقاومة، حسن نصر الله قائد «حزب الله» في لبنان 27-9-2024، كما اغتالت إسماعيل هنية زعيم «حماس» في طهران 31-7-2024، وحديثاً اغتالت علي خامنئي 28-2-2026، وهو أهم الشخصيات الدينية في إيران، وعدداً كبيراً من الشخصيات الإيرانية.

كشف، جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، جزءاً من الخطة الإسرائيلية، حين صرح في تغريدة قائلاً: «إن يوم اغتيال حسن نصر الله أهم يوم في الشرق الأوسط، هذا اليوم يأتي في المرتبة الثانية بعد اتفاقية أبراهام».

وأضاف في تغريدة أخرى: «إن سبب امتناع إسرائيل عن تدمير مفاعلات إيران النووية يوم 13-6-2025، هو خوفها من أن يقوم حزب الله باستخدام صواريخه ضد إسرائيل، لأنه الأقرب إلى حدود إسرائيل، لذلك قررت أن تفاجئ الحزب بالهجوم عليه، لذا أرجأت قصف المخابئ السرية للمفاعلات النووية في إيران».

هل ستنجح إسرائيل في تحقيق أهدافها بالشرق الأوسط، تمهيداً لتحقيق حلمها في أن تصبح عروس الشرق الأوسط المطلوبة والمرغوبة، بحيث تتوج زعيماً عسكرياً، وتجارياً، مطلوباً الشراكة معه وفق الخطة الإبراهيمية؟