انهزم السلاح ولم تنهزم الإرادة ..!
نشر بتاريخ: 2026/02/27 (آخر تحديث: 2026/02/27 الساعة: 17:34)

 

لم تتوقف إسرائيل عن قتل الفلسطينيين في غزة رغم اتفاق وقف إطلاق النار برعاية الرئيس ترامب الذي يفاخر بوقف الحرب؟، وما زالت تحتل الجزء الأكبر من القطاع.

أما المعبر فتلك قصة لا يمكن إلا فهمها في إطار حالة انتقامية لدولة لديها خلل مرضي في تعاطيها مع الآخر وتختلف عن أي احتلال في العالم.

والأمر يتسع أكثر عندما نخضع إسرائيل لعملية تشريح أيدلوجي ثقافي تاريخي هو خليط من الواقع والأسطورة نجد أننا أمام حالة غريبة كانت الإبادة في غزة تعبيراً عن خلاصات التاريخ وهذه مأساة الفلسطينيين.

إسرائيل تهندس قطاع غزة وتعيد التحكم به أمنياً وعسكرياً وتعيد السيطرة على كل تفاصيله.

وهي في الحقيقة لم ترفع يدها ولكن هذه المرة تعود محملة بإرث السابع من أكتوبر وتتصرف بشكل غرائزي وتضع الفلسطينيين أمام مأزق جديد وخصوصاً أن العالم يتوافق مع ما يقرره رئيس أميركي يمارس السياسة بنوع من الفهلوة البعيدة عن أصولها، بل يمارسها بقدر من الترقيع الذي يمعن في مصادرة حقوق شعب لصالح دولته، ولصالح احتلال يرفض إلا أن يحتكر صفة المحتل بتلذذ تنتشر تعبيراته في كل مكان في القطاع بعد أكثر من عامين على أشرس إبادة كان الموت أحد أوجهها.

لكن الجوع كان الشكل الأكثر فظاعة للعقل المختل الذي كان فرحاً بتلك الطقوس التي مورست ضد سكان قطاع غزة.

بالمعنى التاريخي: هل ستظل إسرائيل تحتل شعباً آخر للأبد ؟.

هذا السؤال هو الأكثر ضرورة بعد أن هدأت المعارك قليلاً ومنه يمكن اشتقاق الكثير من الأسئلة الفرعية، لماذا تعتقد إسرائيل أن لديها أحقية بإدارة الفلسطينيين والاستيلاء عليهم، والأهم أن ذلك تتم ممارسته بشكل مهين يترجم مقولة يوآف غالانت عندما وصفهم بـ «الحيوانات البشرية».

هكذا تتعامل معهم ولماذا أعطت لنفسها هذا الحق ؟ وهل تعطي مسارات التاريخ حقوقاً لدول ما أن تمارس إرهاباً مشروعاً؟ ولماذا ؟

يبدو أن فهم إسرائيل لسياق الصراع مع الفلسطينيين قاصر وأقل قدرة على استنباط نظرية تفك فيها شيفرة هذا الشعب الذي لم يكف عن لفظها كقوة غازية، وهنا الفارق الذي صنعته حرب الإبادة الأخيرة.

صحيح أن النتاجات السياسية تصنعها حركة السلاح وقوته ونهاية المعارك هي ما يحدد الاتفاقيات اللاحقة إما تعادل أو منتصر ومهزوم.

أي إما من يجبي الثمن أو من سيدفع الثمن وهو المهزوم وهذا ما لم تفهمه حركة حماس بعد ولكن أيضاً لم يفهمه الإسرائيلي أيضاً لأن فرادة الصراع مع الفلسطينيين قد تنتج شكلاً آخر للهزيمة والنصر ومفاهيم أخرى.

هنا من الضرورة التمييز والإدراك بأن من انهزم في فلسطين هو السلاح، لكن الإرادة لم تنهزم وأقصد هنا بالإرادة إرادة الفلسطينيين في الرغبة بالاستقلال وإقامة دولتهم المستقلة، وهو ما لم يتغير بالنسبة لهم رغم كل المعارك التي طحنت عظامهم. وهنا يمكن القول إن من انهزم هو حركة حماس وليس الشعب الفلسطيني، انهزم سلاحها وليس سلاح الإرادة الفلسطينية وإذا ما دققنا أكثر فمن العار على دولة مدججة بأحدث ما أنتجته مصانع السلاح في العالم أن تفاخر بنصر عسكري على حركة محلية تصنع أسلحتها تصنيعاً منزلياً فليس هناك وجه مقارنة، صحيح أن حركة حماس ولأسباب دعائية نسيت نفسها وهي تضخم من أسلحتها المتواضعة التي تقوم بتصنيعها سواء بسبب منافستها مع شقيقتها حركة فتح، أو لقلة إدراك قادتها الغزيين الذين لا تجارب اكتسبوها سواء بالاطلاع على التاريخ أو لقلة السفر والاطلاع على تجارب العالم خارج غزة المغلقة وعاشوا هذا الانغلاق كما السجن حين كنا نعتقد أن امتلاك سكين قمنا بنحته على أرضية المكان كفيل بإشعارنا بفائض القوة.

لكن الحقيقة أمام كل خبراء السلاح في العالم أن لا مقارنة وأن ادعاء إسرائيل بالنصر على الحركة الفلسطينية هو فضيحة لإسرائيل.

هنا من المهم قراءة التاريخ والغوص بين شقوق تشكل مقومات إعادة بعث الفلسطيني بعد هزيمة السلاح التي تسببت بها حماس، وها هي تدفع ثمنها بعد أن ذهبت لمقارعة إسرائيل في ملعبها الذي تجيد اللعب به تماماً لكن تلك لا تشكل نهايات في مسارات الشعوب.

لذا من المهم التعبير دوماً عن بقاء الإرادة وخصوصاً أن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين بدأته الحركة الصهيونية كصراع وجود وأكدته الأحزاب اللاحقة بإفشالها لمحاولات التسوية بأنه ليس صراع حدود، ما يعني أن الوجود والبقاء إلى الأرض هو المقارعة وهو الصمود والانتصار وليس العمل المسلح كوسيلة يمكن لها أن تتقدم أو تتراجع، تحضر أو تغيب، هذه وسيلة هامشية في صراع البقاء وهو ما لم يدركه بعمق معظم الفلسطينيين.

لا يملك الفلسطيني ترف الهزائم ولا وقت للتجريب، وفي ذروة هزيمة السلاح تعتقد إسرائيل أن هذه فرصة لشطب ما تبقى من الملف الفلسطيني الذي عملت لسنوات على التمهيد له وهو ما يجب على بقايا المؤسسة الفلسطينية قراءته في اللحظة الأكثر مصيرية في تاريخ الفلسطينيين، لأن هناك ما يمكن الاتكاء عليه لإعادة البعث وهو الإرادة.

نقلاً عن صحيفة الأيام