أيام حاسمة قادمة لِ شعب "هيهات منا الذلة"
نشر بتاريخ: 2026/02/26 (آخر تحديث: 2026/02/26 الساعة: 12:47)

أيام حاسمة قادمة لشعب "هيهات منا الذلة"

كتب فراس ياغي

مجمل التوقعات تتحدث عن أن مفاوضات الخميس الموافق 26 شباط/فبراير ستكون حاسمة ومصيرية، ونتيجة هذه المفاوضات هي التي ستحدد موقف الرئيس ترامب. والخيارات المطروحة في حال فشلت المفاوضات تتمثل في حصار بحري وجوي، أو ضربة محدودة تكون مركزة وتشمل أهدافًا حيوية عسكرية وأمنية بهدف إخضاع إيران للمطالب الأمريكية، أو ضربات متعددة تبدأها الولايات المتحدة وتستمر عدة أيام بهدف إضعاف النظام تحضيرًا للعمل على إسقاطه في المستقبل القريب، وتدخل إسرائيل المعركة إذا ما تعرضت للقصف من قبل إيران.

التحليلات الاستخبارية غير الرسمية الإسرائيلية ترى أن الضربة قادمة لا محالة وأنها ستكون محدودة، ولكن من سيحدد شكل كل شيء بعد الضربة هو الرد الإيراني. فإذا كان الرد الإيراني كما يتم التصريح به من قبل أقطاب الحكم العسكريين والأمنيين والسياسيين الإيرانيين، فالمنطقة ككل ذاهبة إلى حرب إقليمية شاملة. أما إذا كان الرد محدودًا وبعيدًا عن إسرائيل فالتداعيات لن تكون كبيرة، ولكن في الوقت نفسه لن يؤدي ذلك إلى تغيير شامل في المواقف، وبخاصة الإيرانية.

في حين أن تحليلات الاستخبارات الروسية غير الرسمية ترى أن ما يحدث يندرج في باب الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد إيران للحصول على أكبر قدر من التنازلات، وأنه لا ضربة قادمة في المدى القريب.

الواقع، رغم تعقيداته ورغم تردد الرئيس ترامب، يشير إلى أن التوجهات الحقيقية، بالنظر إلى طبيعة الحشد العسكري الأمريكي، ذاهبة إلى أقصى الحدود، وذلك لأسباب متعددة، وأهمها:

أولًا: الرئيس ترامب يرفع شعار السلام بالقوة، أي إخضاع الدول للإرادة والرؤية الترامبية، لذلك هو لا يبحث عن مفاوضات بل عن خضوع إيران للشروط الأمريكية. وكل ما يحدث من مفاوضات يهدف إلى تبرير الهجوم القادم على إيران، والقول إنه استنفد كل الطرق الدبلوماسية لتجنب الحرب، إضافة إلى كسب الوقت للحشد العسكري الذي اكتمل مع وصول حاملة الطائرات الأمريكية الأكبر "جيرالد فورد".

ثانيًا: لا يمكن للأمريكي أن يقبل بأي اتفاق محدود بزمن أو بشكل مؤقت، أو يشبه اتفاق أوباما 2015. أي أن المطلوب اتفاق دائم يمكن الرئيس ترامب من إعلان الانتصار وأنه أخضع إيران. وهذا الاتفاق الدائم يؤدي إلى تفكيك البرنامج النووي بطريقة أو بأخرى، وتوافق إيران أيضًا على التفاوض بعد ذلك على قدراتها الصاروخية الباليستية وعلاقاتها بحلفائها.

ثالثًا: أي اتفاق ممكن أو محتمل ستكون إسرائيل ظاهرة فيه بشكل واضح، وهذا ما يعقد التوصل إلى أي اتفاق، كون الضغوط الإسرائيلية هي التي تدفع إدارة الرئيس ترامب إلى التشدد لكي تحصل على إنجاز واضح لا غموض فيه.

رابعًا: الموقف الإيراني المرن والمستعد للذهاب إلى حدود لم يصلها سابقًا لا يمكن أن يتوافق مع ما يريده الرئيس ترامب، لأن المطلوب هو استسلام إيران، أو كما يقول ترامب: إما أن توافق وإما أن نذهب إلى الطريقة السيئة.

خامسًا: إسرائيل هي العامل المركزي في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، ولن تقبل مطلقًا بأي اتفاق وفقًا للرؤية الإيرانية، أي كما قال نتنياهو: "نريد اتفاقًا مستدامًا، اتفاقًا إلى الأبد"، وهذا ما ردده المبعوث والمفاوض اليهودي الأمريكي "ستيف وتكوف".

إذاً، كل الدبلوماسية الجارية والمسماة مفاوضات لا علاقة لها بالواقع، فالمطلوب ليس مرونة إيرانية ولا تنازلات هنا وهناك، ويتضح بشكل لا لبس فيه أن المطلوب هو استسلام إيران بشكل كامل للمطالب الصهيو-أمريكية، وهذا يؤكد أن طبول الحرب تغطي على أي شيء آخر.

في استطلاع للرأي في إسرائيل أجراه "مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" يوم 25 شباط/فبراير، أجاب تقريبًا 51% من المستطلعة آراؤهم أنهم يؤيدون ضربة منفردة من إسرائيل ضد إيران، وهذا وحده يشير إلى الواقع الحقيقي فيما يتعلق بالنظرة إلى إيران. كما أن حديث السيناتور الديمقراطي الأمريكي "تشاك شومر"، زعيم الأقلية في الكونغرس الأمريكي، بعد جلسة الإحاطة من رئيس الـCIA، والذي قال: "انظروا، الأمر خطير... على ترامب أن يشرح هذا للشعب الأمريكي"، يعني أننا أمام مسرح حرب قادمة لا محالة.

سابقًا قلنا إن المخطط الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة تم حسمه في اللقاء الذي جمع الرئيس ترامب ونتنياهو قبل شهر في منتجع "مارالاغو" في بالم بيتش خارج ميامي، حيث تم التوافق على حسم ملفات المنطقة بحيث يتم إخضاعها بشكل كامل للمصالح الأمريكية، وتحويلها إلى بحيرة أمريكية بقبطان ونفوذ إسرائيلي يحافظ على أمنها، وهذا غير ممكن دون إخضاع إيران.

صحيح أن الأمريكي ترامب متردد بعض الشيء كما يوحي الإعلام، وصحيح أن هناك انقسامًا داخليًا أمريكيًا في الذهاب إلى الخيار العسكري، لكنني شخصيًا لا أرى أن الرئيس ترامب متردد، بل يبدو لي أنه ذاهب إلى الحرب على إيران لأنه يرى الأمر من منطلق شخصي أولًا، ويرى عظمة أمريكا بإخضاع الدول الأخرى للإرادة الأمريكية ونهب ثرواتها كما حدث في فنزويلا، حيث تفاخر في خطابه "حالة الاتحاد" بحصول أمريكا على 80 مليون برميل نفط، إضافة إلى أنه يرى نفسه رسولًا من الرب "يهوه" بعثه لحماية شعبه المختار. وقد تم ذكر ذلك بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي: "حماية أمن إسرائيل"، وهذا غير ممكن بدون إخضاع إيران.

كل من يسمع خطاب الرئيس ترامب "حالة الاتحاد" سيفهم أن هذا الرجل لا يرى أحدًا، ولا يفهم سوى لغة واحدة، لغة المصارعة التي كان ولا يزال من عشاقها. فإما الفوز وإما عقد صفقة تؤدي إلى فوزه، أي إنه لا يفكر في الخسارة، بل هذا المصطلح غير موجود في قاموس مفرداته، لذلك قام بكل هذا الحشد العسكري، أو كما أسماه "الأسطول الجميل".

إذاً، الخيارات أصبحت واضحة: الشرف والكرامة أو الخضوع، لأن رجلًا بعقلية الرئيس ترامب لا يفهم لغة الاحترام، ويكفي ملفات "إبيستين" المنشورة لتوضيح كيف يفكر. لا أخلاق ولا شرف، فهم لا يفهمون إلا لغة القوة، ولغة الصمود، ولغة الذهاب إلى الاستنزاف.

المواجهة تفرض على إيران وعلى حلفائها، وختام المعارك التي بدأها "الطوفان" ستحددها المعركة القادمة. فإما نهاية للحرب والذهاب إلى الاستقرار في المنطقة بوضع حد للعنجهية وللإبادة والتطهير العرقي، وإما الدخول في معارك استنزافية ستطال الإقليم ككل، بل قد تصل إلى أبعد من ذلك بكثير. أما الخضوع للصهيو-أمريكي فهذا يعني ضياع كل شيء لعقود من الزمن.

أيام حاسمة قادمة تحمل في ثناياها كل الأمل بفجر رمضاني فيه عزة وإباء لكل شعب "هيهات منا الذلة".