ثورة الحرافيش ونبوت الفتوات الدولية
نشر بتاريخ: 2026/02/25 (آخر تحديث: 2026/02/25 الساعة: 16:17)

تروي الحكايات القديمة عن “الفتوّة” الذي يتكئ على عصاه الغليظة، يفرض الأتاوة على الحرافيش والدراويش والفقراء، ويبيعهم حمايةً من خوفٍ هو نفسه يصنعه. كان قانون الغابة يومها هو الدستور، وكانت القوة الشرعية الوحيدة. يدٌ تضرب، وأخرى تمتد لتقبض ثمن الحماية، وشعبٌ يتعلّم الخوف والصمت معًا

ظنّ الناس أن تلك الطقوس اندثرت مع قيام الدولة الحديثة، حين استُبدلت العصا بالدستور، والنبوت بالمؤسسات. لكن الفتوة لم يمت؛ لقد غيّر هيئته فقط. خلع عمامة الأزقة وعباءة الحارات، وارتدى بذلةً أنيقة، وجلس خلف طاولات القرار. تحوّل من مبتزّ حيٍّ صغير إلى صانع سياسات في شركات القوة العظمى.

قديمًا، كان رجلٌ قوي يحمي جماعةً بالقوة. اليوم، تحمي دولٌ كبرى عروشًا من شعوبها بالقوة المفرطة. لم تتغيّر المعادلة كثيرًا؛ فقط اتّسع المسرح. الملك يدفع الأتاوة من دم شعبه، من خبزه وكرامته وموارده، كي يبقى على عرشٍ يرتجف. والحماية هنا ليست من عدوّ خارجي، بل من الداخل… من شعبٍ قد يسأل: لماذا؟

ولتثبيت هذه المعادلة، وبعد تقسيم الوطن العربي إلى دويلات، تُزرع في العقول أسطورة الخطر الدائم: “الجيران يطمعون بثرواتكم”، “العالم يتربص بكم”، “لا أمان إلا تحت مظلة الفتوة الدولية”. وهكذا تتحوّل البلاد إلى ثكنةٍ مفتوحة، بينما الخوف الحقيقي يسكن القصر لا الشارع.

كل حاكمٍ يستعين بالخارج ليحتمي من شعبه، إنما يؤجّل سقوطه ويضاعف كلفته الأخلاقية. تتحوّل الحماية إلى قيد، والتحالف إلى وصاية، والقصر إلى سجنٍ ذهبي. يصبح الحاكم غريبًا عن أرضه، أسيرًا لتقارير تُكتب في عواصم بعيدة، لا يعرف رائحة خبز بلاده ولا وجع ناسه.

الصراع في عالمنا لم يعد صراع بقاء، بل صراع هيمنة. تجارة خوف تُدار بدم الشعوب، وعروش تُرصّع بأحزان الأطفال، وعالم يُطلب منه أن يصمت احترامًا لما يُسمّى “الشرعية الدولية”. شرعية مَن؟ وأيّ قانونٍ هذا الذي يحمي القوي من عدالته، ويمنع الضعيف من صرخته؟

ومع ذلك، يبقى في الإنسان ما لا يُشترى ولا يُقهر: الإحساس بالعدالة. قد يُسحق الجسد، لكن الفكرة تظل واقفة. وقد يُرهَب الحرافيش زمنًا، لكنهم لا يُلغَون من المعادلة.

الحقيقة التي يخشاها الفتوة المحلي والدولي معًا بسيطة: الحماية كامنة في الداخل. في وعي الشعب، في اتحاده، في ثقته بذاته. الممالك المتجاورة يمكن أن تكون حصنًا لبعضها إذا كُسر وهم العداء المصنوع، وإذا سقط جليد الخوف المتراكم في الذاكرة السياسية.

الشعب ليس عدوّ السلطة، بل حاضنتها وشرعيتها.

الملك – إن أراد البقاء كريمًا في ذاكرة التاريخ – ليس من يختبئ خلف الأساطيل والقواعد العسكرية الأجنبية، بل من يفتح صدره لشعبه. يمنحهم العدالة فيمنحونه الشرعية، يعطيهم الثقة فيعطونه الوفاء. تلك هي المعادلة الوطنية التي لا تحتاج فتوةً دولية ولا وصايةً عابرة للبحار.

قالت أحلام مستغانمي: “إن الأحلام المجنونة أكثر قابلية للتحقق في الواقع.”

ولعلّ أجمل الأحلام هو ذاك الذي يرى التحامًا صادقًا بين الحاكم والمحكوم، انسجامًا يصنع قوةً وطنية حقيقية لا تُستورد في حاويات السلاح، ولا تُستعار من بيانات الأجندات الخارجية. وأخطر ما في الحلم أن يتحوّل إلى وعيٍ جمعي؛ فعندها فقط تسقط عصا الفتوة الدولية، ويكتشف الحرافيش أن الثورة لم تكن على الأبواب، بل كانت كامنةً في داخلهم منذ البداية.

اتحاد “ملوك وممالك ومماليك” ليس شعارًا بل اختبار تاريخ. إمّا أن يتحوّل الشرق الأوسط إلى فضاء قوةٍ متكاملة، أو يبقى ساحةً مفتوحةً لتجارب الآخرين.

هل يتحقق الحلم؟

أم سنبقى نسير في طريق السراب الذي رُسم لنا، ونكتفي بدور المتفرّج على مسرح الفتوة الدولية؟