منذ فجر الخليقة، لم يكن الصراع على الأرض سوى صراعٍ على البقاء. بدأ حول مرعى وماء، حيث تتنازع القطعان على بقعة عشبٍ خضراء، ثم تطوّر مع تطوّر الإنسان حتى صار سباقًا محمومًا على ما تختزنه الأرض في باطنها من نفط وغاز وذهب ومعادن ثمينة. تبدّلت الأدوات، وتغيّرت الخرائط، لكن شهية الهيمنة بقيت كما هي؛ لا تشبع، ولا تعترف بحدود.
اليوم يتكثّف هذا الصراع في الشرق الأوسط، المنطقة التي تحوّلت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية وتبادل الرسائل النارية. لا تُستنزف لأنها الأضعف، بل لأنها الأغنى. ولا تُحاصر لأنها الأخطر، بل لأنها تقع في قلب معادلة الطاقة والممرات والمصالح الكبرى.
في هذا المشهد، تبدو القوة العسكرية كأنها اللغة الوحيدة المسموعة: غواصات نووية، وحاملات طائرات، وتحالفات عابرة للقارات. تصريحات رؤساء الدول الكبرى، ومنهم دونالد ترامب، حول استعراض القوة وإرسال الأساطيل، ليست مجرد خطاب سياسي، بل تعبير صريح عن منطقٍ يرى في المنطقة رقعة شطرنج أكثر مما يراها موطن شعوبٍ حيّة.
لم تعد الحروب تقليدية تُعلن بدايتها ونهايتها بوضوح؛ بل صارت حروبًا هجينة تُدار بالعقوبات، والضغط الاقتصادي، والتحريض الإعلامي، وإشعال النزاعات الداخلية. حروب تُربك المجتمعات قبل أن تُسقط الجيوش، وتنهك الإنسان قبل أن تغيّر الخرائط.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز السياسة إلى حدود السخرية السوداء:
إذا كانت المنطقة، في نظر القوى الكبرى، مجرد مخزن ثروات وموقع نفوذ، فلماذا لا يُقال ذلك بوضوح؟ ولماذا لا تُختصر المسافة ويُطرح السؤال الصادم: اضمّوا الشرق الأوسط ولاياتٍ أمريكية، وامنحوا شعوبه جواز السفر الأمريكي الذي يحميهم من القتل المجاني، ويتوقف ضجيج الحرب… ما دمتم تديرون مصائرهم من بعيد؟
ليس هذا اقتراحًا للاستعمار، ولا دعوةً لتبديل هوية بهوية، بل مرآة ساخرة تعكس حجم المفارقة. فإذا كانت العدالة والكرامة وحقوق الإنسان تُصان تحت رايةٍ ما، فلماذا يُحرم منها شعبٌ بأكمله لأنه وُلد فوق بحرٍ من النفط؟ وإذا كانت القوة تُمارَس باسم حماية الاستقرار، فلماذا يبقى الاستقرار غائبًا حيث تحضر الأساطيل؟
إن طرح فكرة “الضم” ليس إلا صرخة احتجاج على واقعٍ يجعل من الشعوب رهائن لمعادلات القوة. فإما أن تكون القيم الإنسانية واحدة لا تتجزأ، أو نعترف بأن العالم يُدار بمنطق الغلبة لا بمنطق العدالة.
غير أن المسؤولية لا تقع على القوى الكبرى وحدها. فكم من قيادةٍ محلية ساهمت بصمتها أو بمصالحها الضيقة في إطالة أمد النزيف، وكم من عرشٍ هشٍّ حُفظ بدم الأبرياء. الصراع ليس خارجيًا فقط؛ إنه أيضًا داخلي، حين تغيب المحاسبة، ويُختزل الوطن في شخص، وتُختزل الشعوب في أدوات.
إن وقف ضجيج الحرب لم يعد ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية. تبًّا لكل كنزٍ في باطن الأرض إن كان ثمنه روح إنسان، وتبًّا لكل نفوذٍ سياسي يُبنى فوق أنقاض البيوت وصرخات الأطفال.
الشرق الأوسط ليس غنيمة حرب، كما أن الإنسان ليس وقودًا لأساطيلٍ عابرة للبحار. القضية ليست في ضمّ الأرض ولا في تبديل الأعلام، بل في ضمّ الضمير العالمي إلى معيارٍ واحد: أن تكون حياة الإنسان أغلى من أي مصلحة، وأن تكون كرامته فوق كل تحالف.
فالسلام ليس شعارًا يُرفع في المؤتمرات، بل حقٌّ يولد مع الإنسان.
والكرامة ليست منحة قوةٍ عظمى، بل أساس العمران وشرط البقاء.
وعندما يدرك العالم أن الدم ليس رقمًا في تقرير، وأن الشعوب ليست حقولًا مفتوحة للمساومة، عندها فقط يمكن أن تنتهي هذه الدائرة المجنونة، ويبدأ فصلٌ جديد عنوانه: الحياة… لا الهيمنة.