لا تنتظروا الغوث من العرب أو الأجانب
نشر بتاريخ: 2026/02/12 (آخر تحديث: 2026/02/12 الساعة: 16:15)

تزداد بوتائر سريعة وعملية، القرارات والإجراءات والممارسات على الأرض، التي تؤكّد بما لا يدع مجالاً أو يترك جدلاً بشأن طبيعة الأهداف الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وأرضهم وحقوقهم.

بينما يستمرّ العالم في الدعاء، والتأكيد على «حلّ الدولتين» والبدء بمسار سياسي تفاوضي يؤدّي إلى تحقيق ذلك الحلّ، فإن دولة الاحتلال لا تكتفي برفض وتعطيل إمكانية تحقيق «حل الدولتين» وإنّما تعمل على تجريف الوجود الفلسطيني من الأرض الفلسطينية التاريخية، بما يؤسّس لهدف «إسرائيل الكبرى».

الفلسطينيون والعالم في واد ودولة الاحتلال في واد آخر، فبقرارات وإجراءات متتابعة إسرائيلية، تضع حكومة الاحتلال هدف بقائها ووجودها، بالسيطرة الكاملة على كل أرض فلسطين التاريخية التي ينبغي أن تكون خالية من أهلها الأصليين.

أعتقد أنّ هذه الحقيقة ليست ولا يمكن أن تغيب عن أذهان الفلسطينيين في كل أرض فلسطين، سواء في المستويات السياسية أو الثقافية أو حتى بالنسبة للمواطن العادي.

مثل هذا الإدراك، ليس محصوراً بالفلسطينيين في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، بل إنه يشمل أولئك الذين تشبّثوا بوجودهم على الأرض في أراضي عام 1948.

إذا كان ثمّة يقين بشأن هذا الإدراك الواقعي والعميق فإن استمرار الفرقاء الفلسطينيين على مختلف انتماءاتهم وفصائلهم يعني أن التمسك بـ»حلّ الدولتين» ليس أكثر من تكتيك سياسي لإظهار الالتزام بالقرارات والقوانين الدولية، ولكسب تعاطف الرأي العام العالمي، وبأنهم يتجنّبون تحمّل المسؤولية أمام العالم بأنهم من يدفعون الصراع نحو أن يكون صراعاً وجودياً شاملاً.

قبل أن نتحدّث عن ما تقوم به دولة الاحتلال في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزّة، لا بدّ من الإشارة إلى المخطّطات الإسرائيلية الرسمية الرامية لتقويض الوجود الفلسطيني، عَبر إشاعة الفوضى والانقسامات، وليس الاكتفاء بالتحريض على العنف وإنّما تقديم كل ما يلزم لتصعيد العنف المجتمعي عَبر عصابات الجريمة المنظمة في الوسط العربي في مناطق 48.

الفلسطينيون هناك بدؤوا يصرخون ويخرجون إلى الشوارع احتجاجاً على تلك السياسة التي تشمل إهمال المدن والبلدات العربية، وقمع الحرّيات، وعزل المجتمعات العربية وإخراجها من الحياة السياسية.

في آخر تغريدة لوزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين على منصّة «إكس» قال: «إن الائتلاف الحكومي سيمرّر قريباً قانوناً في «الكنيست» يلزم كل نائب عند أدائه اليمين الدستورية بإعلان الولاء لكيانه كدولة يهودية وديمقراطية».

في حال تمرير مثل هذا القانون، فإنه يترتب على الفائزين من الفلسطينيين في الانتخابات القادمة لـ»الكنيست» أن يعلنوا البراءة من أصلهم وهويّتهم ووجودهم، وإلّا فإن عليهم أن يقرروا الامتناع عن المشاركة في الانتخابات ترشيحاً وتصويتاً، ما يعني إخراجهم من المعادلة السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية والاقتصادية تمهيداً لعزلهم، وإجبارهم على تحمّل أعباء ذلك، فإمّا الهجرة وإمّا خوض الصراع بوتائر مختلفة غير مسبوقة، حذارِ أن يؤخذ هذا التصريح على محمل التطرّف الشخصي أو الدعاية الانتخابية، أو التهويل الإعلامي حتى وإن كان ذلك لا يوجب على الفلسطينيين الاستعجال في دخول حلبة الصراع، ولكن على الأقلّ إعادة رصّ الصفوف، والتماسك، وتصعيد المواجهة السلمية.

بشكل عام سواء في غزّة أو الضفة والقدس، أو حتى في مناطق 1948، العنوان واضح، سواء عَبر التصريحات والسياسات المتّبعة، أو عَبر الإجراءات العملية، فإن موضوع التهجير هو الذي يتصدّر مشهد الصراع.

بشأن غزّة، لا تريد دولة الاحتلال وقف الحرب، وإن بوتائر منخفضة نسبياً، ولا ترغب بتسهيل الانتقال إلى المرحلة الثانية، بل هي تخلق المزيد من العقبات أمام تقدمها، ويسعى بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال المطلوب لـ»الجنائية الدولية»، لإقناع رئيس أميركا دونالد ترامب، بأن يعطي كيانه الحق والمجال، لاجتياح القطاع، بذريعة إنهاء المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها.

قد لا ينتبه البعض إلى أن فتح معبر رفح، وفق الآلية التي أصبحت واضحة وبعدم التناسب بين العائدين والمغادرين، فإن هناك خطاً آخر للتهجير والاقتلاع عبر منظمة الصحّة العالمية، التي تقوم بتنظيم عملية إخراج الجرحى والمرضى من خلال «كرم أبو سالم»، وفي اتجاه الأردن، وبالسماح للمرضى بأن يصطحبوا كلّ عائلاتهم، وليس مرافِقَيْن اثنين كما هو الحال على معبر رفح.

ممنوع على الفلسطينيين أن يشعروا ولو للحظة بأن أملاً بتحسّن الأحوال في القطاع، لمن لا يرغب في الهجرة.

في الضفة الغربية، والقدس، الأمر واضح، أيضاً، حيث لا تتوقّف الاعتداءات الإسرائيلية، سواء من قبل جيش الاحتلال أو ميليشيات المستوطنين المسلّحة، ولا تتوقّف عملية القتل والاعتقال والتنكيل وتدمير البيوت والمزارع، ومصادرة وسرقة الأراضي، وتوسيع المستوطنات.

دولة الاحتلال لا تتوقّف عن إضعاف السلطة الوطنية الفلسطينية باعتبارها رمزاً للهويّة والكيانيّة، من خلال النيل من هيبتها، وتقليص مواردها، وإضعاف قدرتها على تخفيف حدّة الفقر وحتى الإيفاء بالتزاماتها تجاه موظّفيها.

أخيراً، فإن نتنياهو الذي يجيد التلاعب بالإدارات الأميركية اتخذ خطوة خطيرة للغاية حين قرّر المجلس الوزاري الأمني المصغّر «الكابينت»، مصادرة صلاحيات السلطة الوطنية على الأراضي، وعديد الأماكن المقدّسة حتى في المنطقة (أ).

القرار الاحتلالي يعني بوضوح قبر ما تبقّى من «أوسلو»، وتجريف واستبدال القرارات والقوانين التي تنظّم ملكية الأرض، بما في ذلك، التي سادت قبل عام 1967.

تسعى دولة الاحتلال ليس لإفراغ السلطة الوطنية من مضامينها وجدوى وجودها وصلاحيّاتها، وإنّما البدء بفصل العلاقة بين الفلسطيني وأرضه، بما يؤشّر على احتمالات تصعيد أكبر وأوسع في العدوانية الاستيطانية لخلق ظروف تهجيرية واقتلاعية شبيهة بما تقوم به في القطاع.

في مواجهة ذلك، لا يمكن التعويل على ترامب الذي لم يرفض القرار الإسرائيلي وإنّما قال إنه لا يؤيّده.

مرّة أخرى ما لم يكن الرهان على الذّات، فإن من العبث انتظار الغوث والعون من الآخرين عرباً كانوا أم أجانب.