استكمالاً لعرض مقتطفات من كتاب خالد العسيلي «حكايات لم تُروَ»، بالحديث عن الأرض المحتلة في السبعينيات.
في السبعينيات، كان حزب العمل هو الحزب الحاكم في إسرائيل، وشمعون بيريس وزير الدفاع ومسؤول المناطق المحتلة، وكان يتبني وجهة النظر التي تدعو لتمتين العلاقة مع الأردن في إدارة الضفة الغربية. وقد اهتم آنذاك بموضوع الانتخابات، متوقعا أن تجري كما هو مخطط له لتكون بديلا عن منظمة التحرير، وتكريسا لحكم ذاتي محدود، فالتقى بالأعيان والمخاتير ووعدهم بتوسيع سلطة المجالس المحلية، وإعطائها مزيدا من المسؤوليات لإدارة الحياة اليومية للسكان.
من جهة أخرى، كانت منظمة التحرير في أوج صعودها، وبدأت تخرج أصوات من الضفة الغربية تأييداً للمنظمة، علما أنَّ سياسة إسرائيل آنذاك كانت تجرّم وتعتقل أي شخص له علاقة مع منظمة التحرير، أو يعلن تأييده لها.
وحتى العام 1972، كانت منظمة التحرير رافضة لفكرة الانتخابات البلدية، ودعت لمقاطعتها، لأنها كانت متخوفة من فكرة القيادة البديلة، لكن على ضوء النتائج والمتغيرات أعادت المنظمة حساباتها، واتخذت قرارا بالمشاركة عبر تشكيل قائمة انتخابية في العام 1976، بإشراف خليل الوزير (أبو جهاد) وبالتنسيق مع «الجبهة الوطنية». في الخليل مثلاً، كان التحضير لانتخابات بلديتها بإدارة لجنة تنظيمية من «فتح» في مدينة القدس، وأغلبهم من الخليل.
مع إعلان إسرائيل عن موعد إجراء الجولة الثانية من الانتخابات البلدية (نيسان 1976)، قررت قيادة منظمة التحرير المشاركة فيها، والرد على التحدي الإسرائيلي الهادف لاستخدام الانتخابات كوسيلة لتقويض المنظمة بتحويلها إلى فرصة لتكريس قوة ونفوذ المنظمة في الأرض المحتلة، وتعزيز شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني، وبأصوات المقترعين.
واجهت الجبهة الوطنية صعوبات عديدة في تشكيل الكتل الانتخابية، مثلاً في مدينة نابلس كان لا يمكن تجاهل عائلة «المصري»، أو «طوقان»، أو «الشكعة» وغيرها، لكن بسام الشكعة بسمعته والكاريزما التي يتحلى بها وقوة شخصيته تمكن من تذليل الصعاب، فمثلا اختار ظافر المصري وهو مقرب من حركة فتح، وهكذا.. أما في الخليل فكان التحدي أكبر؛ حيث كانت عائلة الجعبري متكتلة وليس من السهل تجاوزها، فكان عليها اختيار شخصيات قادرة في المواجهة الانتخابية.
كانت حركة فتح مهتمة باستقطاب الشخصيات الوطنية المستقلة، دون أن تشترط انتماءهم التنظيمي، بل عملت على تقريبهم منها واحتوائهم ودعمهم، ونجحت في ذلك مع العديد من الشخصيات مثل فهد القواسمي ومحمد ملحم وغيرهم، كما تحالفت مع الشخصيات الوطنية المستقلة والحزبية.
لعب فهد القواسمي دورا محوريا في تشكيل وقيادة الكتلة في الخليل، وقد ساندته آنذاك جميع القوى الوطنية حيث استقطب للكتلة جزءاً من الشباب وجزءاً من العائلات، لأن تركيبة الخليل الاجتماعية قائمة على التوازن العائلي.
في الخليل ورام الله، شارك حزب التحرير في الانتخابات، وقد نجح مرشحو الحزب الذين كانوا ضمن الكتلة الوطنية، أما في مدينة البيرة فلم يتم التوافق على قائمة موحدة، فانقسمت الكتلة إلى واحدة ضمت «فتح» والديمقراطية وحزب الشعب ومستقلين، والكتلة الثانية ضمت «فتح» ومستقلين وحزب التحرير، وفي النتيجة فاز جزء من كلتا الكتلتين.
في رام الله، كان الأمر مختلفا، حيث البنية العشائرية ضعيفة وغير فاعلة، وكان فيها حركة وطنية وحزبية نشطة، وفيها قيادات الأحزاب من شيوعيين وبعثيين ويساريين وشخصيات وطنية تقدمية.
لم يشارك الإخوان المسلمون رسميا في تلك الانتخابات، وقد ترشحت شخصيات مستقلة مقربة من الجماعة، ولم تكن جماعة الإخوان حتى ذلك الوقت تشكل ظاهرة قوية في الضفة الغربية، فقد كانت منشغلة في العمل الاجتماعي والدعوي، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، خلافا لقوتها في قطاع غزة ـ حيث كانت حاضرة من خلال المجمع الإسلامي، ولديهم رموزهم مثل هاشم الخزندار، وأنصارهم الذين دخلوا حينها في خلافات عنيفة مع القوى الوطنية وخاصة ضد جمعية الهلال الأحمر والتي كان يترأسها حيدر عبد الشافي.
لكن جماعة الإخوان في غزة كانت قد فقدت جزءاً كبيراً من قاعدتها الشعبية والتنظيمية منذ أواسط الستينيات، حيث التحق جزء كبير منهم بحركة فتح، خاصة أن قيادات «فتح» المؤسسة كانت قد أتت من الإخوان، مثل «أبو جهاد وأبو إياد وكمال عدوان وأبو شاكر النتشة وسليم الزعنون» وغيرهم، فأغلب التيار الوطني الإخواني انتقل إلى «فتح»، وبقي الإخوان في الضفة كحركة دينية منفصلة عن الفصائل الوطنية.
في موعدها المقرر نيسان 1976، جرت الانتخابات في الضفة الغربية بمشاركة شعبية واسعة، بينما في قطاع غزة تم تعيين رؤساء البلديات بواسطة الحكم العسكري، وكانت شعارات المرشحين الوطنيين سياسية وليس خدماتية، تمثلت بالدعوة لإقامة دولة فلسطينية، ورفض الحكم الذاتي ومشروع المملكة المتحدة وتأييد منظمة التحرير.
في يوم الانتخابات، كان موشيه ديان في مستوطنة «بيت إيل»، وكان شمعون بيريس في مبنى المقاطعة في الخليل يتابعان مجريات الانتخابات عن كثب، وكان مع كل منهما فريق أمني وإعلامي متكامل.. ولما بدأت أولى مظاهر التغيير، وصار واضحا أن الكتلة الوطنية ستحسم الانتخابات استبد بهما القلق، وقد أدركا أن مشروع القيادة البديلة على وشك السقوط، وأنه سيُمنى بهزيمة منكرة، وأن السحر سينقلب على الساحر، وستنفجر اللعبة التي أرادتها إسرائيل في وجهها.
جاءت النتيجة مخيبة لآمال الإسرائيليين، بعد أن فازت الكتل الوطنية وباكتساح كبير، حيث أسفرت عن فوز القيادات الشابة والجديدة.
مثلت نتائج الانتخابات نقطة تحول في مسيرة منظمة التحرير، كونها كانت تبحث عن شرعية شعبية، وهذه الانتخابات منحتها إياها، وقد صرح حينها عدنان أبو عودة وزير الوطن المحتل في الحكومة الأردنية موجها كلامه للكتل الوطنية، قائلا: «أنتم رفعتم راية منظمة التحرير وخلقتم القاعدة الجماهيرية للمنظمة»، وبهذه الشرعية انطلقت المنظمة مجددا نحو الساحة الخارجية.