من أكثر المفارقات إيلاماً في التاريخ السياسي العربي المعاصر أن قطاعات واسعة من اليسار، الفلسطيني والعربي، وجدت نفسها تتماهى سياسياً وخطابياً مع مفاهيم نشأت في صلب نقيضها الأيديولوجي. فبدلاً من أن يكون اليسار قوة نقد جذري للسلطة الدينية والوصاية العقائدية التي يمثلها الإسلام السياسي، انخرط، عن وعي أو تحت وطأة التبرير، في إعادة إنتاج منظومته الفكرية، وعلى رأسها المفاهيم المستمدة من أدبيات سيد قطب وكتابه معالم في الطريق.
المسألة هنا لا تتعلق بتحالفات تكتيكية فرضتها ظروف الصراع، بل بخضوع تدريجي لمنظومة مفاهيمية كاملة، أعادت تعريف الصراع والعدو والمجتمع، وحتى معنى التحرر نفسه. وهو خضوع كلف اليسار موقعه التاريخي، وأفرغه من جوهره النقدي، وحوله في حالات كثيرة إلى ملحق إستخدامي أخلاقي أو إعلامي لمشاريع لا تؤمن أصلاً بالتحرر بوصفه قيمة وطنية إنسانية جامعة.
في فكر سيد قطب يُعاد تقسيم العالم وفق ثنائية صارمة، إيمان في مقابل جاهلية. المجتمع لا يُفهم كساحة صراع اجتماعي أو سياسي، بل كحالة انحراف عقدي. الدولة ليست بنية تاريخية قابلة للنقد والتغيير، بل تجسيد لاغتصاب الحاكمية. والحل لا يمر عبر التنظيم الجماهيري أو التراكم الاجتماعي، بل عبر طليعة مؤمنة تمتلك الحقيقة وتمنح نفسها حق العلو والقيادة والتقرير.
من منظور يساري، يفترض أن تُرفض هذه المفاهيم رفضاً جذرياً. فهي تلغي المجتمع كفاعل تاريخي، وتستبدل الصراع الاجتماعي بصراع أخلاقي مطلق، وتحول السياسة إلى وصاية. لكن ما حدث فعلياً هو أن شخوص وقطاعات من اليسار العربي، تحت ضغط الهزائم وتراجع المشاريع الكبرى، وجدت في هذه الثنائية الصدامية ملاذاً نفسياً وسياسياً، وفي حالات أخرى انحرافاً شخصياً مصلحياً.
بعد انهيار المشروع القومي العربي، وتراجع اليسار العالمي، وصعود الدولة الأمنية، دخل اليسار العربي أزمة عميقة. في هذا الفراغ، قدم الإسلام السياسي نفسه بوصفه القوة القادرة على المواجهة. هنا بدأ التحول الأخطر، حيث جرى استبدال مفاهيم مثل الاستغلال والطبقة والهيمنة، بمفاهيم مثل الأمة المستهدفة والهوية المهددة والصراع الوجودي.
هذا التحول دفع اليسار إلى تبني لغة قادمة من الفكر القطبي، ولو من دون إعلان ذلك صراحة. المجتمع لم يعد فضاءً للتعدد والاختلاف، بل كتلة أخلاقية موحدة. الاختلاف لم يعد حقاً سياسياً، بل شبهة. النقد لم يعد ضرورة للتحرر، بل خدمة للعدو. وهكذا جرى تهميش السياسة باسم المعركة الكبرى.
في الحالة الفلسطينية، بلغ هذا التماهي ذروته. كثير من شخوص وقوى اليسار تعاملت مع حركة حماس لا بوصفها فاعلاً سياسياً له مشروع أيديولوجي وسلطوي محدد، بل بوصفها تجسيداً للمقاومة ذاتها. أي نقد لحماس صُور كخيانة، وأي مساءلة لممارساتها السلطوية وُصفت بأنها اصطفاف مع الاحتلال.
ويتجسد هذا التماهي بوضوح في سلوك حركة حماس في إدارة قطاع غزة. فالحركة لم تمارس السلطة بوصفها إدارة مؤقتة في سياق مقاومة، بل كسلطة أمر واقع متشبثة بالسيطرة على حساب المجتمع ذاته. هذه السلطة قامت على منظومة قمع أمني شملت الاعتقال والتعذيب والقتل خارج القانون، وإسكات الأصوات المعارضة، وتجريم أي محاولة مستقلة للتنظيم أو النقد. جرى تفريغ المجال العام وتحويله إلى فضاء خاضع للخوف والرقابة، لا للنقاش والمشاركة.
إلى جانب القمع، توسعت منظومة الجباية لتتحول إلى نمط حكم قائم بذاته. لم تعد الجباية إجراءً مالياً ظرفياً فرضه الحصار، بل بنية شاملة طالت الضرائب والرسوم والمعابر والمحاكم والمواصلات والأراضي والأنشطة الاقتصادية المختلفة، من دون إنفاق عام أو موازنات شفافة. بل تعدى الأمر إلى السلب والنهب المنظم، واحتكار الموارد العامة، والاستحواذ على المساعدات الإنسانية، وتحويل جزء منها إلى أدوات نفوذ سياسي وأمني، في وقت كان فيه المجتمع يواجه الجوع والانهيار الشامل لمقومات الحياة.
الأخطر أن هذا التمسك بالسلطة في ظل الإبادة لم يكن منفصلاً عن الكارثة، بل تداخل معها. فبدلاً من جعل حماية المجتمع ووقف الإبادة أولوية سياسية، جرى التعامل مع الناس بوصفهم أدوات صمود أو وقوداً لمعركة تُدار من دون مساءلة. لم يُطرح وقف الإبادة كهدف سياسي مسؤول، بل تحولت السيطرة على غزة إلى أولوية ضمنية، حتى لو كان الثمن مزيداً من الدم والدمار، وتحويل المجتمع إلى رهينة لقرارات ومطامع فئوية.
ما يضاعف خطورة هذا الواقع هو صمت قطاعات واسعة من اليسار الفلسطيني، وتغاضيها المتعمد عن هذه الممارسات، بل تبريرها أحياناً باسم عدم إضعاف المقاومة. هذا الصمت لم يكن نتيجة جهل، بل خياراً سياسياً وأخلاقياً. وهكذا قبل اليسار عملياً بمنطق يرى القمع شأناً داخلياً، والجباية ضرورة، وسرقة المساعدات تفصيلاً ثانوياً، طالما أن السلطة ترفع شعار المقاومة. فبدلاً من الدفاع عن المجتمع في مواجهة سلطة الأمر الواقع، اختار اليسار الانسحاب من دوره النقدي.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل الإبادة الجارية عن البنية السلطوية التي سبقتها ورافقتها. فسلطة تقوم على القهر واحتكار القرار هي سلطة عاجزة عن حماية الناس، لكنها قادرة على استخدامهم. واليسار الذي صمت عن القمع والجباية والسلب وسرقة المساعدات يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن تحويل المجتمع من فاعل تاريخي إلى ضحية صامتة.
حين يتماهى اليسار مع الإسلام السياسي، فإنه لا يتحالف فقط مع قوة تنظيمية، بل مع منطق كامل يرى المجتمع جاهلياً قاصراً. القمع يُبرر، والوصاية تُغلف بلغة الأخلاق، والناس يُطلب منهم الصبر لا المشاركة. وهنا يكون اليسار قد انقلب على ذاته، فبدلاً من الدفاع عن المجتمع في مواجهة كل سلطة قمعية، صار يبرر قمعه إذا جاء باسم المقاومة.
أخطر ما في هذا التماهي ليس التحالف السياسي، بل التنازل الفكري. اليسار الذي يتبنى، صراحة أو ضمناً، ثنائية الإيمان والجاهلية يفقد أدواته التحليلية. لا يعود قادراً على فهم المجتمع بوصفه مركباً من مصالح وتناقضات، ولا على مساءلة السلطة، بل يقدسها إذا رفعت شعار المقاومة.
هذا الخضوع هو في جوهره اعتراف بالعجز، عجز عن إنتاج خطاب تحرري مستقل، وعن مواجهة الاحتلال والسلطة معاً، وعن تخيل مشروع وطني لا يقوم على الوصاية.
القضية الفلسطينية لا تحتاج يساراً يذوب في خطاب ديني، بل يساراً يعيد الاعتبار للمجتمع، وللوطنية الجامعة، وللإنسان بوصفه غاية لا وسيلة. يساراً يرفض الاحتلال، ويرفض في الوقت نفسه كل سلطة ترى المجتمع مجرد وقود وحطباً في أفران أطماعها ومشاريعها الفئوية.
حين يخضع اليسار للمفاهيم القطبية، فإنه لا يتحالف مع الإسلام السياسي فحسب، بل يتخلى عن ذاته. يستبدل النقد بالتماهي، والسياسة بالأخلاق، والتحرر بالوصاية. والنتيجة يسار بلا يسار، ومعارضة بلا مجتمع، ومقاومة بلا أفق وطني تحرري.
استعادة اليسار لدوره تبدأ بكسر هذا الخضوع، وبنقد جذري لكل أيديولوجيا ترى المجتمع جاهلياً، ولكل سلطة تدّعي العلو باسم الإيمان تحت شعار المقاومة. فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد الاحتلال، بل ضد كل تصور يسلب الناس حقهم في أن يكونوا شركاء فعليين في تقرير مصيرهم.