سيد قطب و نظرة حماس إلى المجتمع الفلسطيني
نشر بتاريخ: 2026/02/06 (آخر تحديث: 2026/02/06 الساعة: 23:36)

ليس ممكناً فهم تجربة حركة حماس في غزة من خلال الحديث عن أخطاء حكم أو سوء إدارة فقط. فالمسألة أعمق وأكثر بنيوية. نحن أمام تصور فكري وسياسي متكامل يرى المجتمع الفلسطيني، خارج إطار الحركة وتنظيمها، بوصفه الآخر، مجتمعاً “جاهلياً”، يحتاج إلى ضبط، بينما ترى الحركة نفسها، بوصفها الامتداد الصحيح للإيمان، صاحبة “العلو” والحق الحصري في القيادة والتقرير. هذا التصور لا ينشأ في فراغ، بل يتغذى من أدبيات الإسلام السياسي الإخواني، ويتقاطع بوضوح مع أطروحات سيد قطب، كما صاغها في كتابه المفصلي "معالم في الطريق".

في هذا الكتاب، لا تُقدَّم الجاهلية بوصفها مرحلة تاريخية سبقت الإسلام، بل حالة قائمة تشمل المجتمعات المعاصرة حين لا تخضع للحاكمية الإلهية كما يفهمها قطب. المجتمع هنا ليس مجرد ضحية للأنظمة السياسية، بل شريك في الانحراف، لأنه يقبل بقوانين بشرية ومرجعيات وضعية. في المقابل، تُمنح “الطليعة المؤمنة” "الإخوان"موقعاً متقدماً، لا باعتبارها جماعة دعوية فقط، بل بوصفها حاملة الحقيقة المطلقة وصاحبة الحق في قيادة المجتمع وإعادة تشكيله.

هذا التقسيم الحاد، مجتمع جاهلي في مقابل طليعة مؤمنة، هو المفتاح لفهم نظرة الإخوان ومنهم حماس إلى المجتمع الفلسطيني. فالحركة، وإن لم تستخدم المصطلح حرفياً في خطابها اليومي، إلا أنها تمارس مضمونه عملياً. المجتمع خارج التنظيم لا يُنظر إليه بوصفه شريكاً سياسياً، بل “آخر” ناقص الوعي، مادة للضبط والجباية، لا مصدراً للشرعية أو إطاراً للسيادة.

منذ سيطرتها على غزة عام 2007، لم تبنِ حماس علاقتها بالمجتمع على عقد اجتماعي حديث، بل على منطق التفوق الإيماني والتنظيمي. الحركة ترى نفسها ممثلة للإسلام الصحيح والمقاومة الصحيحة، وبالتالي ترى أن اعتراض المجتمع أو مطالبته بالمشاركة أو المساءلة لا ينبع من حق سياسي مشروع، بل من نقص في الوعي أو خلل في الالتزام. بهذا المعنى، يتحول المجتمع إلى “جاهلية صامتة” حين يطيع، و“جاهلية متمردة” حين يعترض.

في هذا الإطار، يصبح العلو بالإيمان أداة سلطة. من يمتلك الإيمان الصحيح يمتلك حق القيادة، ومن يفتقر إليه يُطالَب بالطاعة. القرارات الكبرى تُتخذ داخل دوائر مغلقة باسم العقيدة والمقاومة، ثم تُفرَض على المجتمع بوصفها واجباً شرعياً أو قدراً تاريخياً. المجتمع لا يُستشار، بل يُستدعى لدفع الحساب.

هذا التصور ينعكس مباشرة على إدارة الاقتصاد والمجال العام. المجتمع، بوصفه جاهلياً، لا يُوثق بقدرته على إدارة موارده أو تقرير أولوياته. لذلك تُحتكر الجباية والإنفاق والقرار. الضرائب والأتاوات في غزة لا تُقدَّم بوصفها سياسات عامة قابلة للنقاش، بل كواجبات مفروضة. تُحصَّل بالقوة، ومن دون شفافية أو مساءلة، في علاقة أقرب إلى علاقة الغالب بالمغلوب منها إلى علاقة دولة بمواطنيها. المجتمع يتحول إلى كنلة غنائم، ومخزون مالي دائم، يدفع باستمرار، بينما تُحتكَر السلطة داخل التنظيم الإخواني.

هذا الاستحلاب المالي امتداد لرؤية ترى المجتمع تابعاً. الفقر هنا لا يُعالج بوصفه أزمة سياسية، بل يُدار بوصفه أداة ضبط. الجوع يضعف القدرة على الاحتجاج، ويعزز خطاب الصبر والطاعة. وكلما ازداد الانهاك الاجتماعي، ازدادت قدرة السلطة على السيطرة.

قبل السابع من أكتوبر، كان هذا النموذج قد ترسخ. أي حراك اجتماعي أو احتجاج مطلبي وُوجه بالقمع والتخوين. الصحافة أُخضعت، النقابات طُوّعت، القضاء سُيّس. لم تُعامل هذه الوقائع كأزمة حكم، بل كضرورات لحماية المشروع من “الفتنة” و“الاختراق”. القمع هنا ليس انحرافاً، بل جزء من المنهج، ومنسجم تماماً مع تصور يرى أن المفاصلة مع الجاهلية لا تقتصر على العدو الخارجي، بل تشمل المجتمع ذاته خارج إطار الحركة الإخوانية.

ثم جاءت لحظة الطوفان لتكشف البنية العميقة لهذا التصور. القرار بالحرب اتُّخذ داخل دائرة مغلقة، خارج أي إطار تمثيلي فلسطيني، ومن دون تفويض شعبي، ومن دون نقاش عام حول الكلفة والبدائل. الحركة، بوصفها الطليعة المؤمنة، رأت نفسها صاحبة الحق في اتخاذ القرار المصيري. المجتمع، بوصفه الآخر الجاهلي، طُلب منه أن يلتحق، لا أن يختار.

وحين جاءت الكلفة كارثية، إبادة جماعية، تدمير شامل، تهجير، لم يُفتح نقاش جدي حول المسؤولية أو الخيارات. الخطاب ركّز على كذبة الإنتصار، والصمود والعلو المعنوي، لا على إنقاذ وحماية الناس. المجتمع تحوّل إلى درع رمزي. دماره يُستثمر خطابياً لجباية التبرعات وإثبات وحشية الاحتلال، لكن من دون أي مراجعة لمسؤولية سلطة حماس التي وضعت الناس في قلب الإعصار من دون حماية ولا خيار. السؤال عن الجدوى صُنّف فتنة، والنقد عُدّ خيانة.

وفي قلب هذه اللحظة الكارثية، يبرز البعد الأخطر، استمرار تمسّك حماس بالسيطرة المطلقة على غزة بوصفها حالة ضبط قمعي ومشروع جباية، لا بوصفها ضرورة لحماية المجتمع. فالحركة، رغم الانهيار الكامل للبنية الاجتماعية والاقتصادية، لم تُبدِ أي استعداد للإقرار بحجم الكارثة، والتنازل عن احتكار السلطة أو فتح نقاش وطني حول إدارة القطاع أو مستقبله. على العكس، استمرت في التعامل مع غزة كإقليم خاضع، يجب ضبطه أمنياً واستنزافه مالياً، حتى فوق الأنقاض. الجباية لم تتوقف، بل أعيد إنتاجها بأشكال مختلفة، عبر التحكم في ما تبقى من اقتصاد منهار، وفي المساعدات الإنسانية، وفي شبكات التوزيع. بهذا المعنى، لا تصبح السيطرة نتيجة للحرب فقط، بل جزءاً من بنيتها، إذ إن إضعاف المجتمع وتجويعه وتفكيكه يحوّله إلى كتلة عاجزة عن الفعل السياسي، وأكثر قابلية للانكسار أو القبول بحلول قسرية.

الأخطر أن هذا النمط يخدم، موضوعياً، استمرار مسلسل الإبادة واستكمال مشروع التهجير. مجتمع منزوع القدرة على التنظيم والاختيار، ومحكوم بالخوف والجوع والفقر، يصبح أكثر هشاشة في مواجهة مشاريع الإفراغ السكاني. هنا لا تعود السيطرة الحمساوية نقيضاً لمشاريع التصفية، بل تتحول، بحكم بنيتها القمعية والاستحلابية، إلى عامل مُشارك يسهّل استمرارها، ويمنح الاحتلال ذريعة إضافية لمواصلة التدمير، في معادلة يدفع ثمنها المجتمع الفلسطيني وحده.

في هذا السياق، يتعمق أيضاً تغييب الوطنية الفلسطينية كإطار جامع. في تصور حماس، الوطنية ليست هوية سياسية مستقلة بتعدديتها، بل وظيفة للمشروع الإسلامي. فلسطين ليست وطناً حديثاً بتنوعه، بل ساحة صراع عقائدي. التاريخ الوطني يُعاد تأويله من منظور واحد، الفصائل الأخرى تُهمَّش أو تُشيطَن، ومنظمة التحرير تُقدَّم بوصفها عبئاً. المجتمع الوطني بتعدديته يُختزل في فئة “مؤمنة” وأخرى “قاصرة”.

الخلاصة أن المشكلة ليست فقط في سياسات حماس، بل في تصورها للمجتمع. تصور يرى الناس “آخرين” جاهليين، ويمنح الحركة حق العلو بالإيمان. هذا التصور، المتجذر في قراءة قطبية للعلاقة بين الطليعة الإخوانية والجمهور، حين يتحول إلى برنامج حكم، ينتج سلطة ترى المجتمع مادة للضبط والجباية والتضحية، لا أساساً للتحرر.

لا تحرير بلا مجتمع حر، ولا مقاومة بلا اعتراف بالناس شركاء لا أتباعاً. وكل مشروع يقوم على تقسيم المجتمع إلى مؤمنين يعلون وجاهليين يُقادون، سينتهي إلى استنزاف الناس، لا إلى إنقاذهم. غزة اليوم ليست فقط ضحية الاحتلال، بل ضحية تصور يرى المجتمع غنيمة، لا وطناً