نشر بتاريخ: 2026/08/22 ( آخر تحديث: 2026/08/22 الساعة: 11:53 )
شريف الهركلي

الشراكة الوطنية والربع ساعة الأخيرة.. هل تنقذ الانتخابات وحدة القرار الفلسطيني؟

نشر بتاريخ: 2026/08/22 (آخر تحديث: 2026/08/22 الساعة: 11:53)

الكوفية قد يكون من الأدق أن نسمّي ما يجري اليوم بين بعض القوى الفلسطينية شراكة وطنية مرحلية، وليس تحالفًا سياسيًا بالمعنى التقليدي؛ فالمطلوب في هذه اللحظة الحساسة ليس توزيع المكاسب والمقاعد، وإنما محاولة تجاوز المرحلة، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني قبل أن تُفرض علينا ترتيبات سياسية قد يصعب تغييرها لاحقًا.

فالانتخابات مهمة، ولا أحد يستطيع إنكار حق الشعب الفلسطيني في اختيار ممثليه وتجديد شرعياته، وقد حُدد يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة. لكن السؤال الأهم ليس فقط: من سيفوز؟ بل ماذا بعد الفوز؟

فالانتخابات وحدها لن تكون حلًا سحريًا للأزمة الفلسطينية. وإذا شعر الرئيس محمود عباس، أو أي طرف سياسي، بأن نتائج الانتخابات قد تنتقص من حجم الشرعية التي يمتلكها، فقد تظهر أسباب أو مبررات لتأجيلها أو تعطيلها. ولذلك فإن ضمان الانتخابات لا يكون فقط بتحديد موعدها، وإنما ببناء توافق وطني يحمي نتائجها ويحترم إرادة الناخب الفلسطيني.

ولنفترض أن تكتلًا سياسيًا حصل على أكثر من 50% من مقاعد المجلس التشريعي؛ فهل تكفي هذه الأغلبية لإدارة النظام واتخاذ القرارات المصيرية؟ هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن بعض القرارات والقضايا الكبرى تحتاج إلى أغلبية موصوفة، ما قد يحوّل الأغلبية الانتخابية إلى أغلبية عاجزة، ويجعل النظام البرلماني أمام حالة من الشلل السياسي إذا غابت التوافقات الوطنية.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: هل نريد انتخابات لتجديد الوجوه، أم انتخابات لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

إننا بحاجة إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية، وإلى تفاهم وطني يضمن التداول السلمي للسلطة، ويحمي نتائج الانتخابات، ويمنع احتكار القرار، وفي الوقت ذاته يحافظ على وحدة القرار الوطني الفلسطيني.

لكن الأخطر من كل ذلك هو مستقبل قطاع غزة.

مؤلم أن نرى قطاع غزة والضفة الغربية وكأنهما يتجهان نحو إقليمين منفصلين، إداريًا وماليًا وسياسيًا. ومؤلم أكثر أن يتحول الانقسام الذي بدأ فلسطينيًا عام 2007 إلى واقع جديد قد يجد من يكرسه من الخارج تحت عناوين الإدارة والإعمار والأمن.

إن أي ترتيبات لإدارة غزة يجب أن تكون جزءًا من المشروع الوطني الفلسطيني، لا بديلًا عنه. وقد بدأت بالفعل ترتيبات للجنة وطنية فلسطينية لإدارة القطاع، فيما تستمر الجهود الدولية والإقليمية بشأن مستقبل غزة. وهنا يجب أن يكون الموقف الفلسطيني واضحًا: غزة ليست ملفًا منفصلًا، وليست كيانًا سياسيًا قائمًا بذاته، وإنما جزء أصيل من الأرض الفلسطينية ومن النظام السياسي الوطني.

إن الخطر الحقيقي ليس فقط في استمرار الانقسام، بل في أن يتحول الانقسام من حالة سياسية مؤقتة إلى واقع جغرافي وإداري دائم؛ غزة لها نظامها، والضفة لها نظامها، ولكل منهما مصادر تمويل وترتيبات إدارية وأمنية مختلفة، ثم يأتي الوقت الذي يصبح فيه توحيدهما أصعب من أي وقت مضى.

وهنا تصبح الشراكة الوطنية ضرورة وليست ترفًا سياسيًا.

فالشراكة المطلوبة ليست شراكة انتخابية تنتهي بانتهاء صناديق الاقتراع، ولا صفقة بين تنظيمات لتقاسم المقاعد، وإنما شراكة تعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة وطنية جامعة، وتحافظ على منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وتعيد الاعتبار للقرار الفلسطيني المستقل.

لقد أثبتت التجربة أن الانقسام لا ينتج رابحًا حقيقيًا؛ فالخاسر في النهاية هو الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية.

ونحن اليوم، بكل صراحة، أمام الربع ساعة الأخيرة في عمر قضيتنا الوطنية. فالمرحلة المقبلة قد تكون مرحلة إعادة تشكيل للمنطقة وللقضية الفلسطينية، ومن لا يمتلك مشروعه الوطني قد يجد نفسه جزءًا من مشاريع الآخرين.

فلتكن الشراكة الوطنية طريقًا لاستعادة الوحدة، لا مدخلًا لإعادة توزيع الانقسام.

ولتكن الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية وبناء النظام السياسي، لا وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة.

ولنحذر جميعًا من اليوم الذي نستيقظ فيه فنجد أن غزة والضفة أصبحتا إقليمين منفصلين، وأن حلم الدولة الفلسطينية الواحدة أصبح مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

الرحمة لكل من ضحوا من أجل أن يعيش أبناؤهم وأحفادهم في وطن فلسطيني حر ومحرر.

فلسطين أكبر من الانتخابات، وأكبر من التنظيمات، وأكبر من الجميع.