حروب النفوذ بثوب الديمقراطية ومكياجها الدكتاتوري.. قراءة في انتخابات المؤتمر الثامن لـ حركة فتح
بقلم: شريف الهركلي
حروب النفوذ بثوب الديمقراطية ومكياجها الدكتاتوري.. قراءة في انتخابات المؤتمر الثامن لـ حركة فتح
الكوفية لم يكن المؤتمر الثامن لفتح مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل بدا وكأنه مرآة واسعة تعكس حجم التناقض بين خطاب الديمقراطية وممارسة النفوذ داخل الحركة. ففي كل دورة انتخابية ترتفع شعارات النزاهة والشفافية واحترام إرادة القواعد، لكن ما إن تظهر النتائج حتى تبدأ حرب الطعون والتشكيك وإعادة الفرز، وكأن الديمقراطية تبقى جميلة فقط حين تمنح البعض مقاعدهم، لا حين تسحب منهم امتيازاتهم.
الديمقراطية تبدو دافئة عندما ينجح المرشح، فتتحول النتائج إلى احتفالات وخطب وطنية ثقيلة تتغنى بوعي القواعد ونضج التجربة التنظيمية. لكنها سرعان ما تصبح خطيئة حين تأتي بعكس التوقعات، فيُتهم الصندوق، وتتحول العملية الانتخابية فجأة إلى مؤامرة أو خلل تنظيمي أو عملية تحتاج إلى إعادة مراجعة كاملة.
وفي جوهر المشهد، لم يكن الصراع الحقيقي على برنامج وطني جديد بقدر ما كان صراعًا على المواقع ومفاتيح النفوذ داخل التنظيم. فوسط الضجيج الانتخابي غاب السؤال الأهم: أين المشروع السياسي المختلف؟ وأين النقاش الجاد حول مستقبل الحركة والقضية الوطنية الفلسطينية؟
بدت المعركة أقرب إلى إعادة توزيع موازين القوة داخل البيت التنظيمي، لا إلى مراجعة سياسية شاملة لمسار الحركة وتحدياتها.
المؤتمر الثامن كشف أزمة أعمق من مجرد نتائج انتخابية؛ كشف أزمة العلاقة بين القيادة والقواعد، وبين التاريخ والشرعية، وبين من يعتقد أن إدارة التنظيم تعني امتلاك ولاء الناس إلى الأبد. كما كشف حجم الفجوة بين الخطاب الثوري الذي تتبناه الحركة، والواقع التنظيمي الذي تحكمه أحيانًا حسابات النفوذ والتحالفات أكثر من منطق التجديد والشراكة.
والمفارقة الساخرة أن كثيرًا ممن احتجوا على النتائج هم أنفسهم أبناء البنية التنظيمية التي شاركت طويلًا في صناعة آليات المؤتمر وهندسة المشهد الداخلي. لذلك بدا المشهد وكأنه صراع داخل المطبخ ذاته، لا بين مشروعين متناقضين. فمن شارك في صناعة الأدوات لا يستطيع التنصل منها فقط لأن النتائج لم تمنحه ما أراد.
لقد بدا واضحًا أن جزءًا من الحرس التنظيمي القديم ما زال يتعامل مع الحركة باعتبارها مساحة لإعادة إنتاج النفوذ ذاته، عبر تدوير الأسماء والعلاقات ومراكز القوة، بما يجعل بعض المواقع أقرب إلى امتيازات شبه موروثة منها إلى استحقاقات تنظيمية متجددة. لكن المؤتمر الثامن أثبت أيضًا أن النفوذ لا يكفي دائمًا، وأن القواعد التنظيمية قادرة — ولو جزئيًا — على إعادة خلط الأوراق وكسر بعض الأوهام القديمة.
كما أثبتت التجربة أن الزمن التنظيمي لا يتوقف عند أحد، وأن الحركة، رغم أزماتها، ما زالت تملك قدرة قاسية على تبديل الوجوه وكشف الأقنعة السياسية والتنظيمية. فالمشكلة الحقيقية ليست في الخسارة بحد ذاتها، بل في غياب الروح الرياضية والتنظيمية التي يُفترض أن يتحلى بها أبناء فتح بعد كل استحقاق داخلي.
فهل أصبح الموقع التنظيمي هو الذي يحدد قيمة العطاء الوطني؟ وهل تتوقف الوطنية عند حدود الفوز والخسارة؟ أم أن التجربة الديمقراطية الحقيقية تبدأ لحظة قبول النتائج لا لحظة إعلانها فقط؟
وفي كل دورة انتخابية يتعلم الناخب أكثر، وتسقط أوهام القوة المطلقة أكثر. فالذي لم يعلمه المؤتمر الثامن قد يعلمه التاسع والعاشر، لأن عجلة التاريخ لا تتوقف، ولأن الديمقراطية — رغم كل عيوبها — تبقى الطريق الأقل كلفة لكشف الخلل وإعادة تصحيح المسار.
وفي النهاية، حين يغيب المشروع الوطني الجامع، تتقدم حروب النفوذ بثوبها الديمقراطي ومكياجها الدكتاتوري، ويبقى السؤال معلّقًا: هل كانت المعركة فعلًا دفاعًا عن مشروع وطني جامع، أم مجرد صراع طويل على النفوذ داخل بيتٍ أنهكته الحسابات التنظيمية أكثر مما وحّدته الفكرة