نشر بتاريخ: 2026/04/14 ( آخر تحديث: 2026/04/14 الساعة: 13:16 )

آلاف الأطفال في عداد المفقودين بغزة: مأساة إنسانية تتفاقم تحت الأنقاض وفي ظروف غامضة

نشر بتاريخ: 2026/04/14 (آخر تحديث: 2026/04/14 الساعة: 13:16)

الكوفية تعيش آلاف العائلات في قطاع غزة ظروفًا إنسانيةً شديدة القسوة جرّاء الحرب الإسرائيلية وتداعياتها المستمرة، إذ لا تقتصر المأساة على عشرات آلاف القتلى أو الدمار الواسع للبنية التحتية، ولا على إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات الإنسانية والمستلزمات الطبية، بل تمتد لتشمل ملفًا بالغ الخطورة يتمثل في الأطفال المفقودين، في ظل واقع مأساوي لا يتيح لعائلاتهم البحث عنهم أو معرفة مصيرهم.

ويزيد عدد الأطفال مجهولي المصير في القطاع عن 2900 طفل، ما يسلّط الضوء على مأساة إنسانية عميقة، إذ لا يزال عدد كبير منهم تحت أنقاض المباني التي دمّرتها إسرائيل فوق رؤوسهم، فيما يُصنّف آخرون ضمن المفقودين أو المختفين في ظروف غير معروفة، وهو ما يترك عائلاتهم عالقة في حالة انتظار مؤلم، بين الأمل واليأس، دون معرفة ما إذا كان أبناؤهم على قيد الحياة أم لا.

وبحسب تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، فإن نحو 2700 طفل من هؤلاء المفقودين ما زالوا تحت الركام، في وقت حال فيه الدمار الهائل واستمرار القصف، إلى جانب منع إدخال المعدات الثقيلة ونقص الوقود، دون قدرة طواقم الإنقاذ على الوصول إليهم أو انتشال جثامينهم.

وأوضحت مديرة المركز، ندى نبيل، أن عدد المفقودين الفلسطينيين في القطاع يتراوح بين 7 و8 آلاف شخص، من بينهم 2700 طفل تحت الأنقاض، إضافة إلى نحو 200 طفل مفقودين في ظروف مختلفة، سواء في مناطق انتظار المساعدات، أو في المناطق المحاذية لمواقع وجود الجيش الإسرائيلي، أو على ممرات النزوح.

وسلّطت نبيل الضوء على أن المجاعة التي اجتاحت القطاع دفعت نسبة كبيرة من الأطفال إلى تحمل مسؤوليات أسرهم، مثل تأمين الحطب أو المواد الغذائية الأساسية، وفي مقدمتها الطحين، وهو ما اضطرهم للتوجه إلى مناطق توزيع المساعدات، الأمر الذي أدى إلى فقدان عدد كبير منهم في تلك المواقع الخطرة.

وندّدت مديرة المركز بظاهرة الإخفاء القسري التي يتعرض لها الفلسطينيون، مؤكدة أن هذا الفعل يُعد جريمة ضد الإنسانية وفق القانون الدولي الإنساني، وهو محظور بشكل كامل، ويُلزم الجهات المسؤولة بالكشف عن مصير المختفين وإطلاق سراحهم. كما شددت على أن القانون الدولي يقر بحق كل عائلة في معرفة مصير أبنائها، وأن الأشخاص الذين ما زالوا تحت الأنقاض يُعدّون في عداد المفقودين إلى حين انتشالهم وتسليمهم لعائلاتهم، ومنحهم حق الدفن اللائق الذي يحفظ كرامتهم الإنسانية، سواء خلال النزاع أو بعد انتهائه.

وعلى أرض الواقع، تحولت مواقع المنازل المدمّرة في غزة إلى ما يشبه المقابر الجماعية في كثير من الحالات، حيث تبقى الجثامين تحت الأنقاض لفترات طويلة، بسبب انعدام الإمكانيات التقنية واللوجستية اللازمة لانتشالها، نتيجة الحصار ومنع إدخال المعدات، ما يشكّل انتهاكًا صارخًا لحرمة الموت وكرامة الضحايا، ويضاعف من معاناة العائلات التي حُرمت من وداع أحبائها أو دفنهم بشكل إنساني.

وتبرز إحدى هذه المآسي في شهادة المواطنة مجدل سعد الله، التي تحدثت من أمام ركام منزلها المدمر، قائلة إن آخر مرة رأت فيها طفلها أحمد (8 سنوات) كان يضحك ويمسك بلعبته، ويسألها متى سيعود للنوم في غرفته. وأوضحت أن العائلة اضطرت للنزوح إلى منزل أقارب زوجها بعد تدمير منزلها في غرب مدينة غزة، قبل أن يُقصف المنزل بشكل مفاجئ من دون إنذار، ما أدى إلى انهياره فوق من فيه، بينما لم تتمكن طواقم الإنقاذ من الوصول إلى جثمان طفلها حتى الآن.

وأضافت أنها وزوجها تم إنقاذهما بعد ساعات من البحث تحت الركام، لكن طفلها لا يزال مفقودًا، مشيرة إلى أنها عادت إلى المكان مرات عديدة على أمل العثور على أي أثر له، لكنها لم تجد سوى الصمت والغبار.

ولا تقتصر المأساة على من هم تحت الأنقاض، إذ تشير تقارير متعددة إلى اختفاء عدد من الأطفال في ظروف غامضة، خاصة في محيط نقاط توزيع المساعدات أو المناطق الخاضعة لسيطرة عسكرية، دون توفر معلومات رسمية عن مصيرهم.

ومن بين هذه الحالات، الفتى إبراهيم أبو زاهر (15 عامًا)، الذي فُقدت آثاره في 17 تموز/يوليو 2025، بعد توجهه إلى منطقة “زيكيم” للحصول على مساعدات غذائية في ظل المجاعة. ووفقًا لعائلته، استمر التواصل معه حتى ساعات متأخرة من ذلك اليوم قبل أن ينقطع بشكل مفاجئ. وأفاد شهود عيان بأن قوة إسرائيلية طوقت عشرات المدنيين في موقع توزيع المساعدات واقتادتهم إلى نقطة عسكرية.

كما ظهرت لاحقًا معلومات غير مؤكدة عن رؤيته داخل معتقل “سديه تيمان” في كانون الأول/ديسمبر 2025، دون أي تأكيد رسمي، ما يبقيه في عداد المفقودين، ويثير مخاوف من تعرضه للإخفاء القسري أو الاحتجاز دون إعلان.

وفي حالة أخرى مشابهة، لا يزال مصير الفتى محمد أبو العلا (17 عامًا) مجهولًا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعد خروجه من منزله شرقي بلدة خزاعة في خانيونس، حيث انقطع الاتصال به تمامًا، رغم ورود معلومات غير مؤكدة عن نقله إلى أحد المستشفيات، دون أن تتمكن عائلته من العثور على أي أثر له.

وخاضت عائلة محمد رحلة بحث طويلة شملت المستشفيات والمشارح، إضافة إلى مناشدات للجهات الحقوقية والإعلامية، دون الوصول إلى أي نتيجة، لتبقى الأسرة في حالة قلق دائم وترقب، في ظل غياب أي معلومات حاسمة حول مصيره.

ويعكس هذا الواقع تحوّل الحياة اليومية لأطفال غزة إلى بيئة شديدة الخطورة، حيث لم يعد الفقد ناتجًا عن القصف فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بمحاولات البقاء، مثل البحث عن الغذاء أو الحطب، أو العودة إلى المنازل المدمرة لاستخراج ما يمكن إنقاذه.

وفي ظل استمرار هذه الظروف، يصبح الاختفاء أو الموت غير الموثق احتمالًا قائمًا في كل لحظة، بينما يؤدي غياب التحقيقات الفعالة والآليات الواضحة للكشف عن مصير المفقودين إلى تعميق الأزمة الإنسانية، وترسيخ حالة من الغموض القاسي التي تعيشها آلاف العائلات، التي تحوّلت أيامها إلى انتظار مفتوح بلا إجابات أو نهاية واضحة.