هل بقي يساريون في إسرائيل؟
توفيق أبو شومر
هل بقي يساريون في إسرائيل؟
أعاد إليَّ أيمن عودة، النائب في الكنيست الإسرائيلي، ملفاً قديماً جديداً، وهو ملف اليساريين في إسرائيل. من شاهد مقابلة عودة في القناة الإسرائيلية الثانية عشرة يوم 13-2-2026، في برنامج «واجه الصحافة»، سيظل يتذكر ملف اليسار في إسرائيل، مع العلم أن عودة هو رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، فهل بقي يساريون في إسرائيل؟
كان الحوار في هذه المقابلة مع الصحافي عميت سيغال، وكان اللقاء فخاً منظماً بدقة للإيقاع بالنائب عودة، كان الحوار كله مُكرساً للإجابة عن سؤال واحد فقط وهو: هل تعتقد أن «حماس» منظمة إرهابية؟
حاول أيمن عودة أن يركز إجاباته ليس على السؤال السابق، بل اتهم حكومة إسرائيل برئاسة رابين ونتنياهو؛ فهما اللتان سلَّحتا حركة «حماس» عسكرياً ومالياً، قال: «أنا ضد حركة حماس سياسياً وأيديولوجياً، ففي عام 1980 كان إسحق رابين رئيس الحكومة هو الذي سلح حركة حماس في البداية، وقد أدنتُ أحداث السابع من أكتوبر آلاف المرات، أنا ضد استهداف المدنيين، فماذا عن قتل أطفال غزة، وتدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها؟».
تذكرتُ كيف نجح المحتلون في إقصاء حنين زعبي النائبة الفلسطينية (العربية) من حزب التجمع الوطني الديمقراطي، عن منصتها الإعلامية، كانت حنين نائبة في الكنيست وناشطة سياسية ومحاضرة جامعية وإعلامية بارزة، انتمت إلى التجمع الوطني الديمقراطي، ولكن منطقها وخطابها الإعلامي القوي حرّض ضدها حكومة اليمين، خاصة عندما صرحت لصحيفة «يديعوت أحرونوت» يوم 21-9-2025م: «إن إسرائيل دولة عنصرية، يجب مساعدة سكان قطاع غزة».
جمَّع اليمينيون ضدها ملفات عديدة، أبرزها أنها كانت ضمن المتظاهرين على متن سفينة مرمرة عام 2010 عندما قتلت البحرية الإسرائيلية تسعة من طاقمها، وكذلك حين قالت تعليقاً على خطف الفلسطينيين لثلاثة طلاب عام 2014م في جنين: «الخاطفون ليسوا إرهابيين، بل هم يائسون من الظلم والاحتلال».
كما أنها شاركتْ في تظاهرات تطالب بإنهاء الحرب على غزة.
اعتقلت الشرطة حنين زعبي يوم 20-9-2025 بتهمة التحريض على العنف، وجرى استجوابها، وتحذيرها.
إن ما يحدث في إسرائيل لنواب الكنيست (العرب) جزء لا يتجزأ من الحملة الواسعة على كل اليساريين في إسرائيل، سواء كانوا فلسطينيين أم يهوداً، فقد تمكن المتطرفون الإسرائيليون من إسدال ستائر الإظلام على الحركات التي لا تصب في مجرى اليمين المتطرف مثل: الحركة اليسارية، جنود يكسرون الصمت، وحركة السلام الآن، وجمعية زوخروت، وبتسيلم، وعير عميم، وعيمك شافيه، وغيرها.
طالت مؤامرة الإسكات أيضاً عضو الكنيست اليساري اليهودي، عوفر كسيف، وهو بروفيسور في علم الفلسفة، ومحاضر بجامعة تل أبيب في قسم العلوم السياسية؛ لأنه صار عضواً في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ولأنه كذلك عدو للحركة الصهيونية، ولم يشفع له سجله العسكري في جيش إسرائيل؛ لأنه أعلن تضامنه مع الفلسطينيين المهددين بالترحيل من الشيخ جرّاح في القدس عام 2021.
كما أنه هو اليهودي الوحيد في الكنيست الذي تضامن مع شكوى دولة جنوب إفريقيا ضد إسرائيل إلى محكمة الجنايات بتهمة ارتكابها جرائم عنصرية في غزة، لأجل ذلك فإن حكومة إسرائيل صوتت على طرده من الكنيست، غير أن مجموع الأعضاء الذين صوتوا مع طرده لم يصل إلى الثلثين، فقد صوت فقط 85 عضواً مع طرده، كما أن لجنة الأخلاق في الكنيست قررت منعه من حضور اجتماعاتها مدة شهرين في تشرين الثاني 2024م.
كل تلك الأحداث مؤشر على أن اليساريين في إسرائيل يرقدون في غرفة الإنعاش، لأن دورهم يكاد يتلاشى؛ لأن هذا العصر هو عصر الحريديم المتزمتين.
الحقيقة هي أن إسرائيل استخدمت اليسار في إسرائيل ديكوراً ومكياجاً وقتياً على وجه إسرائيل، ولعل أروع من كتب عن ذلك هو، سِفي رخلافسكي مؤلف كتاب «حمار المسيح»، حين شبَّه اليسارَ في إسرائيل بأنهم يشبهون حمار المسيح، لا فضل لهذا الحمار سوى أنه حمل على ظهره اليهود وأوصلهم إلى أرض الميعاد فقط، أما مصير الحمار فهو الفناء والموت.
أقدم بعض اليساريين المزيفين في إسرائيل على تغيير طلاء أفكارهم لتتلاءم مع نظام اليمينين العنصري، فابتلع عددٌ من اليساريين ألسنتهم رُعباً وخوفاً، أما بعض اليساريين الصادقين ممن تعرضوا للتهديد فلم يجدوا وسيلة سوى الهرب إلى دولٍ أخرى، وبقي الصحافي جدعون ليفي يسير في الشوارع بحراسة خاصة، أما حزب اليسار الأول، وهو حزب العمل، فقد ظهر على حقيقته وغيّر شعاره العمالي الديمقراطي، فأصبح اسمه الجديد «المعسكر الصهيوني»، وها هو اليوم يلبس طاقية الكيباه الحريدية الاستيطانية الدينية، ويعتنق مبادئ اليمين المتطرف، بل هو أكثر تطرفاً من هذا اليمين.
أما الديكور اليساري الثاني الذي كان يهدف إلى إقناع اليهود الذين يعيشون في الدول الشيوعية للهجرة لإسرائيل هو الكيبوتس. كان الكيبوتس طُعماً لاصطياد المهاجرين من الدول الشيوعية، ابتدعته إسرائيل مكياجاً على وجهها في منتصف القرن الماضي وفي نهايته، فقد كان في إسرائيل حوالى 270 كيبوتساً، أعلنتْ إسرائيل أن الكيبوتسات هو نظام ما بعد الشيوعية، ثم بعد صعود اليمين الحريدي إلى سدة الحكم اضمحلت الحركة (الديكورية) الكيبوتسية، وهي اليوم تلفظ أنفاسها الأخيرة، جاء في صحيفة «معاريف»، يوم 22-8-2000: «ترقد الحركة الكيبوتسية فوق نعش الأموات، فثلث الكيبوتسات أعلنت إفلاسها».
بعد أن كانت الكيبوتسات توفر الخدمات وتشارك في إدخال المال لإسرائيل أصبحت مفلسة. كانت تحرم استئجار العاملين من الخارج، أما اليوم فهي تستأجر العمال من خارج الكيبوتس.
أما الديكور اليساري الثالث، هو أكبر مؤسسة عمالية ديمقراطية في إسرائيل «الهستدروت»، وهي الحركة العمالية اليسارية، هذا الديكور اليساري أُسس قبل ثمانية وعشرين عاماً من إعلان دولة إسرائيل، أي في عهد الانتداب البريطاني عام 1920، وكان رئيسه دافيد بن غوريون، رئيس أول حكومة إسرائيلية.
الهستدروت يضم 60% من عمال الزراعة، و50% من عمال الصناعات الثقيلة، و25% من عمال الصناعات الخفيفة، و45% من عمال البناء، و30% من عمال النقل، ويسيطر على ثلث الإنتاج القومي في إسرائيل. بلغ عدد أعضاء «الهستدروت» حوالى تسعمائة ألف عضو، واليوم يسير في طريق الانحدار.
أما الظاهرة اليسارية الرابعة، هي ليست ديكوراً بل كانت ظاهرة تُثبتُ فشلنا نحن في متابعتها واستغلالها إعلامياً وسياسياً وفكرياً، فهي تيار المؤرخين الجدد في إسرائيل، كان مفروضاً أن نستفيد نحن الفلسطينيين والعرب من هذه الظاهرة ونشجعها. ظهر تيار المؤرخين الجُدد في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، خاصة في بدايات الألفية الثالثة، حين كُشف النقاب عن الأرشيف الإسرائيلي الحقيقي المخبوء.
اكتشف الباحثون والصحافيون اليساريون في إسرائيل أنهم كانوا يتلقون معلومات خاطئة تضليلية أسطورية، واكتشفوا خدعة شعار إسرائيل (فلسطين أرضٌ بلا شعب، لشعبٍ بلا أرض)، وأنهم استولوا على أرض يسكنها شعبٌ حضاري منذ أقدم العصور، وأن الإسرائيليين ارتكبوا المجازر، لذلك فهم ليسوا (الشعب المختار)، واكتشفوا أيضاً زيف الادعاء بأن الجيوش العربية التي دخلت فلسطين عام 1948م هي التي طلبت من الفلسطينيين أن يرحلوا، ليتمكن الجيش العربي من محاربة إسرائيل. كشفت وثائق الأرشيف الحقيقة أن الصهاينة من زعماء العصابات (الهاغاناه، شتيرن، ليحي، الأراغون) والقادة السياسيين هم الذين رحَّلوا الفلسطينيين، كما أن المؤرخين الجدد نقضوا رواية إسرائيل الكبرى وهي أن القادة العرب كلهم رفضوا مفاوضات السلام. اكتشف المؤرخون الجدد أن الحكام العرب سعوا للسلام، مثل الرئيس السوري حسني الزعيم، وكذلك الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يرغب في لقاء موشيه شاريت رئيس حكومة إسرائيل، وأن حادثة التفجيرات التي نفذها عملاء إسرائيل، وهي عملية (سوزانا) في القاهرة بتخطيط، بنحاس لافون وزير دفاع إسرائيل عام 1954، كانت تهدف لإفشال اللقاء بين عبد الناصر وموشيه شاريت.
أنتجت ظاهرة المؤرخين الجدد عدداً من المؤرخين الجُدد، منهم: إيلان بابيه الذي غادر إسرائيل، توم سيغيف، سامي ميخائيل، سمحا فلابان، آفي شلايم، زئيف هرتسوغ، أبراهام بورغ، يوري أفنيري، وغيرهم الكثيرون.