نشر بتاريخ: 2026/02/16 ( آخر تحديث: 2026/02/16 الساعة: 13:32 )
عبد المجيد سويلم

«الصندوق الأسود» للجزيرة الشيطانية!

نشر بتاريخ: 2026/02/16 (آخر تحديث: 2026/02/16 الساعة: 13:32)

سأبدأ هذا المقال بالادعاء أن «الصندوق الأسود» هو كاتم أسرار المنطقة العربية، وكل منطقة الشرق الأوسط أكثر بكثير من أسرار وفضائح، وجرائم وموبقات قيادات أميركية وأوروبية و»غربية» على كل الصُعد الأخلاقية والسياسية والأمنية.

إذا فُتح هذا الصندوق، وهو سيُفتح في أغلب الظنّ فإننا سنُصاب بالصدمة تلو الأخرى، ولن نخرج من حالة ذهول إلّا لندخل في حالة ذهول أخرى، أقوى وأشدّ، وسنضحك من أنفسنا وعلى أنفسنا لهول ما سنرى، وما سنسمع، وسنكتشف كم كنّا على «نيّاتنا»، وسُذّجاً إلى أبعد حدود السذاجة عندما انسقنا وراء «ثورات» تمّت فبركتها، ووراء نظريات مصنّعة في مختبرات جزيرة جيفري إبستين، وفي الطوابق السفلية لأنفاق تلك الجزيرة.

ولا أقصد تلك الأسرار التي تتعلّق بإسقاط نظام الزعيم الليبي معمّر القذافي، على سبيل المثال لا الحصر، أو كيف تمّ إجهاض الثورة السورية، أو التونسية، أو حتى المصرية في كانون الثاني، وذلك لأن كلّ ما جرى كان ركوباً للموجات، وامتطاءً واعتلاءً لدفّة القيادة فيها، ولم تكن في أساسها سوى حالة وطنية ديمقراطية سلمية، وكان جانب العنف من جانب المحتجّين ثانوياً وهامشياً إلى أبعد الحدود، وإنّما أقصد الكثير الكثير من الأحداث الفاصلة التي أُعدّت بعناية فائقة لتغيير وجهة الأحداث نحو أهداف بعينها.

إليكم بعض النماذج التي نحتاج للبحث عنها في «الصندوق الأسود» لـ»جزيرة إبستين»:

أوّلاً، الانقلاب الذي قيل إن فتح الله غولن قام به ضدّ الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان وهو «انقلاب» ما زال يكتنفه الكثير الكثير من الألغاز الغامضة!

كل القصص التي تمّ «تلفيقها» حول مجريات ذلك «الانقلاب» غير مقنعة، ولا تستند إلى وقائع ثابتة، وحتى ما قيل عن مساعدة روسيا في الكشف عن مخطّطاته تثير شكوكاً لا حصر لها، فكيف يكافئ أردوغان روسيا على حُسن صنيعها وجميله بالوقوف مع أوكرانيا منذ بداية العملية العسكرية الروسية في الأخيرة؟ ولماذا زوّدت تركيا النظام في كييف بأحدث الطائرات المسيّرة التركية، ولم تقف على الحياد على أقلّ تقدير؟.

ما أعتقده هنا أن هذه «الطبخة»، وبسبب حساسية المسألة التركية على صعيد «حلف شمال الأطلسي»، وعلى صُعد أخرى كثيرة، بما في ذلك المسألة الكردية ربما تكون قد أُعدّت في «الجزيرة».

ثانياً، ما هي حقيقة مقتل الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي من عدمه؟ وهل تمّ اغتياله أم لا؟ ولماذا هذا «الصمت» المُريب حيال هذه المسألة؟

كنتُ قد كتبت في حينه بأنني أستبعد حادثة الاغتيال، ولم أكن على قناعة تامّة برواية وملابسات الظروف الجوية لكنني استبعدت أكثر أن يكون الحادث مدبّراً من أوساط إيرانية داخلية.

أمّا الآن فمن الواضح أن أميركا، ودولة الاحتلال لم تكونا على استعداد لتحمل مسؤولية هذا الاغتيال لأسباب معروفة، لكنهما في أغلب الظن قد عهدتا لـ»الجزيرة»، بإتمام هذه المهمّة، أو على الأقلّ سنرى ما هو «حجم» هذه القضية في مراسلات واتصالات الأقطاب السياسية والاستخبارية هناك.

ثالثاً، من قتل رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري؟

من زاوية علم الجريمة، فإن سؤال من المستفيد من ارتكاب الجريمة هو السؤال الأوّل في كل تحقيق جدّي حول اغتيال شخصية وطنية وقومية بقامة الحريري.

الآن وبكلّ ثقة واطمئنان، وبكلّ هدوء، وبعيداً عن الضوضاء و»الهوبرة» الإعلامية نستطيع أن نقول إن آخر دولة كان لها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في هذا الاغتيال هي الدولة السورية في عهد الرئيس السابق بشار الأسد.

كما أن «حزب الله» اللبناني كان هو المتضرّر الأكبر من هذا الاغتيال.

ويكفي أن نشير على عجالة هنا إلى أن المطالبة بخروج القوات السورية من لبنان قد أعقب مباشرة حادثة الاغتيال، وبأن سُعاراً مذهبياً قد اشتعل غداة الاغتيال.

فهل كان للدولة السورية أيّ مصلحة من أيّ نوع كان «بتسريع» خروج قواتها من لبنان؟!

وما هي مصلحة الحزب في تحوّل الصراع في لبنان إلى صراع مذهبي بغيض ومكشوف؟

وهل الحزب أقلّية حتى يلجأ إلى فعل كهذا؟ هذا على مستوى السؤال البديهي حول هويّة المستفيد من عملية الاغتيال، أما على مستوى ما تردّد حول السلاح الذي تمّ استخدامه فيها فهو الأهمّ والأخطر.

هناك بعض الفرضيات التي تقول إن ما تمّ استخدامه فيها هو قنبلة، أو متفجّرة مكثّفة الفعالية بعدّة عشرات أو مئات من الأمتار، أو أنّ ذلك السلاح هو سلاح آخر له تأثير هائل في مساحة صغيرة يكون في نتيجة استخدامه الدمار الذي يضمن بنسبة 100% تصفية الهدف، وتصفية كل من يحيط به على المساحة المستهدفة.

هذا النوع من السلاح ليس متوفّراً من زاوية تكنولوجيا تصنيعه، ومن زاوية درجة الدمار الذي يحدثه لا في سورية، ولا لدى الحزب.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإن انفجار بعض المتفجّرات الذي ترافق زمنياً، وفي نفس اللحظة مع هذا التفجير الهائل من على جوانب المكان لم يكن سوى «الخدعة» التي استخدمت للتغطية على «القنبلة» التي أُلقيت من الجوّ من على مسافة بعيدة فوق البحر.

رابعاً وأخيراً، الانفجار الهائل في مرفأ بيروت.

هنا الحيرة أقلّ، لأن الانفجار يدلّ على نفسه، والنار وما وصلت إليه لا مجال لإخفاء لهيبها.

انفجار المرفأ تمّ بمعرفة الفاعل بأدقّ تفاصيل مواد الأمونيا المخزّنة، وبأدقّ أشكال «التلكّؤ» التي ثبت أنها تمّت بقصدية تامّة، وأن الفاعل قد أصاب من الجوّ، على ما يبدو، تلك المخزونات بحيث تتمّ عملية «اختلاط» بين القنبلة الخاصة والمخزونات، لأن النار التي شوهدت، والتي امتدّت كانت حسب بعض التقديرات من عدّة ألوان، ومن عدّة درجات واضحة وضوح الشمس.

هنا يجري الحديث، أيضاً، عن قنبلة «موضعية»، محصورة في الحيّز الجغرافي، لكن تأثيرها أكبر بعشرات المرّات من مجرّد انفجار الأمونيا.

وهنا، أيضاً، فإن «الصندوق الأسود» لـ»الجزيرة» سيكشف لنا فيما إذا كان تفجير المرفأ كان كما حاول البعض إلصاقه بقوى لبنانية داخلية أم أن هذا الانفجار الهائل والمروّع كان بفعل فاعل من جماعات «إبستين» وسادتهم في الدوائر الاستخبارية العليا.

هذه مجرّد نماذج لعشرات، وربما مئات العمليات التي جرت في الإقليم كلّه على مدار أكثر من عقدين كاملين لا بدّ أن لـ»الصندوق الأسود» الدور الخاص فيها.

وما يهمّنا على وجه الخصوص هنا هو أنه إذا صحّت فرضية استخدام القنابل «الموضعية» النووية، والتي قيل إنه قد تمّ استخدامها في قصف مطار بغداد أثناء العدوان الأميركي على قوات «الحرس الجمهوري» العراقي في محيط المطار، فإن هذا الاستخدام أصبح أسهل اليوم على القوات الأميركية والإسرائيلية في إيران، وربما في اليمن، بل ولا يُستبعد أن تكون القنابل الخارقة للتحصينات التي تم استخدامها في حرب الـ12 يوماً السابقة ضد إيران، سيتمّ استخدام ما هو أكبر منها في الحرب القادمة إذا كان هذا الاستخدام هو «الحلّ» الوحيد لإحداث موجات من الرعب، ولمحاولة إلحاق أعلى درجة من الإبادة والتدمير لبعض الأهداف الإيرانية الخاصة، وخصوصاً في المناطق التي تعتقد كل من أميركا ودولة الاحتلال أنها ربما تكون المخابئ الرئيسة للصناعات الصاروخية، أو لبعض المنصّات الضخمة لإطلاق بعض أنواع الصواريخ الإيرانية الثقيلة.

في قادم الأيّام سنرى وسنسمع العَجَب، لأن المسائل التي بدأت تتسرّب تباعاً أبعد بكثير من مجرّد فضائح جنسية، وأخطر بما لا يُقاس من مجرّد شذوذ واختلالات نفسية لبعض سادة المال والأعمال في هذا «الغرب» الذي نشهد نماذج فاضحة على انهياره المدوّي.